الواي فاي يرى ما لا تراه العين.. تقنية ترصد الأشخاص عبر الإشارات اللاسلكية
في عالم تتطور فيه التكنولوجيا بشكل غير مسبوق، لم تعد الإشارات اللاسلكية مجرد وسيلة لنقل البيانات والاتصال بالإنترنت، بل أصبحت تحمل إمكانات جديدة قد تغير طريقة تعاملنا مع الأجهزة من حولنا، فبينما اعتاد الملايين استخدام شبكات “الواي فاي” يوميًا لتصفح الإنترنت ومتابعة أعمالهم، كشفت أبحاث حديثة عن قدرة هذه الإشارات على القيام بمهمة أكثر إثارة للدهشة، وهي رصد الأشخاص وتحليل حركتهم والتعرف عليهم دون الحاجة إلى كاميرات أو أجهزة يرتدونها.
تعتمد التقنية الجديدة على فكرة بسيطة لكنها متقدمة؛ إذ تقوم بتحليل التشوهات التي تصيب إشارات “الواي فاي” أثناء انتقالها بين أجهزة التوجيه والأجهزة المتصلة بالشبكة، فعندما تتحرك الأجسام البشرية داخل نطاق هذه الإشارات، فإنها تؤثر على طريقة انتشار الموجات اللاسلكية، ما ينتج أنماطا معينة يمكن رصدها ومعالجتها بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي حسب “ScienceDaily”.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية تشبه إلى حد كبير طريقة عمل الكاميرات التقليدية، لكنها لا تعتمد على الضوء أو العدسات لإنشاء صورة، بل تستخدم الموجات الراديوية لرسم خريطة رقمية للمكان والكشف عن الأشخاص الموجودين داخله، وهو ما يمنحها قدرة على العمل حتى في ظروف قد لا تكون فيها الرؤية البصرية متاحة.
لا يحتاج إلى هاتف أو جهاز ذكي
ومن أكثر الجوانب إثارة في هذه التقنية أنها لا تتطلب من الشخص الذي يتم رصده امتلاك هاتف ذكي أو ارتداء أي جهاز إلكتروني، إذ يمكن لأجهزة “الواي فاي” الموجودة في المكان تبادل الإشارات فيما بينها، ثم جمع البيانات الناتجة عن تفاعل هذه الإشارات مع الأجسام المحيطة وتحليلها.
وبحسب موقع “ساينس تيك ديلي”، فإن هذه الطريقة تعتمد على الاستفادة من الإشارات اللاسلكية الموجودة بالفعل في البيئة، ما يجعلها مختلفة عن أنظمة التتبع التقليدية التي تحتاج عادة إلى أجهزة مخصصة أو أدوات يتم حملها من قبل المستخدمين.
هل إيقاف الواي فاي يمنع التتبع؟
قد يعتقد البعض أن إغلاق شبكة “الواي فاي” الخاصة بهم يمكن أن يمنع إمكانية رصدهم، لكن خبراء الأمن السيبراني يشيرون إلى أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك.
وأوضح البروفيسور ثورستن ستروف، المتخصص في مجال الأمن السيبراني، أن هذه الأنظمة لا تعتمد بالضرورة على شبكة الشخص نفسه، بل يمكنها الاستفادة من أي أجهزة “واي فاي” نشطة في البيئة المحيطة، حيث تتيح الإشارات الراديوية إمكانية تحليل شكل المكان وحركة الأشخاص بداخله.
وأضاف أن مراقبة هذه الموجات يمكن أن تنتج صورا رقمية للبيئة المحيطة، بطريقة تشبه التقاط الصور بالكاميرات، لكن باستخدام الإشارات اللاسلكية بدلا من الضوء.
دقة عالية في التعرف على الأشخاص
تعتمد التقنية على تحليل بيانات التغذية الراجعة الناتجة عن اتصالات “الواي فاي”، حيث يتم جمع المعلومات من زوايا مختلفة ثم دمجها لإنشاء نموذج رقمي للشخص الموجود في المكان.
ويقول الباحثون إن هذه الطريقة يمكن أن تساعد في التعرف على هوية الأشخاص خلال وقت قصير، مع تحقيق مستويات دقة مرتفعة قد تقترب من 100% في بعض الاختبارات، وهو ما يجعلها تقنية واعدة في مجالات مثل الأمن والمراقبة الذكية، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات كبيرة حول حدود استخدامها.
مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية
رغم الإمكانات الكبيرة التي توفرها هذه التكنولوجيا، فإن قدرتها على رصد الأشخاص دون علمهم تثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية، خاصة إذا تم استخدامها خارج إطار قانوني واضح، وحذر خبراء من أن انتشار مثل هذه التقنيات قد يؤدي إلى إمكانية مراقبة تحركات الأفراد أو جمع معلومات عن وجودهم داخل الأماكن المختلفة دون الحصول على موافقتهم، وهو ما قد يمثل تهديدا للحقوق الشخصية في حال إساءة استخدامها.

كما أشاروا إلى أن بعض الحكومات أو الجهات قد تستغل هذه القدرات في مراقبة المواطنين أو تتبع التجمعات والتحركات العامة، ما يزيد الحاجة إلى وضع قوانين تنظم استخدام تقنيات تحليل الإشارات اللاسلكية.
ومع التطور المستمر في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يتوقع خبراء الأمن السيبراني أن تصبح حماية الخصوصية الرقمية من أكبر التحديات خلال السنوات المقبلة، خاصة مع ظهور أدوات قادرة على استنتاج معلومات عن الأشخاص من الإشارات المحيطة بهم دون الحاجة إلى أجهزة ظاهرة أو اتصال مباشر.