عاشت منبوذة وماتت في قبر مجهول.. المأساة المرعبة لآخر “ساحرة” في بريطانيا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تعد القصة المأساوية لامرأة من مقاطعة “كامبريدجشير” قبل قرنين من الزمان نموذجاً صارخاً لكيفية استمرار الخوف والإقصاء الاجتماعي في تأجيج العنف، حتى بعد أن طوى القانون الرسمي في بريطانيا صفحة محاكمات السحر بعقود طويلة، وفقا لما نشره موقع” heritagedaily”.

وتُصنف قضيتها اليوم كواحدة من أواخر الحالات الموثقة للاضطهاد الجماعي الناجم عن الخرافات الشعبية في تاريخ إنجلترا.

الفقر والعزلة

ولدت “آن رو” عام 1765، وتزوجت من العامل الزراعي “رايت إيزارد” عام 1780، وارتبطت حياتهما بصراع مرير مع الفقر، مما اضطرهما للعيش في كوخ منعزل على أطراف قرية “جريت باكستون”.

وبسبب فقدان العمل المنتظم، اعتمدت الأسرة المكونة من ثمانية أفراد على إعانات الرعية (نظام الرعاية الاجتماعية في ذلك الوقت).

في عام 1808، أدى انقطاع هذه المساعدات إلى تدهور حاد في وضع العائلة المعيشي، مما دفع “آن” إلى التسول وطلب المعونة من جيرانها، هذا الاحتياج المادي، مقترناً بعزلة الأسرة الجغرافية، ساهم في تحويلها إلى شخص غريب ومستهدف في نظر مجتمع ريفي كان لا يزال متمسكاً بتفسيرات غيبية للمصائب اليومية.

جهل طبي وتحريض جماعي

تزامن ضيق العائلة مع تفشي حالات طبية غير مفسرة بين أطفال القرية، مثل نوبات الصرع والاضطرابات العصبية التي لم تكن مفهومة علمياً في ذلك الوقت، وبدلاً من البحث عن أسباب طبية، سارع السكان لرمي “آن” باتهامات باطلة، مدعين أنها “سحرت” الصغار وتسببت في أمراضهم.

ورغم محاولات التهدئة التي قادها رجل الدين في القرية، القس “إسحاق نيكلسون”، إلا أن الشائعات استمرت في الانتشار.
ووصل الأمر ببعض السكان إلى ممارسة طقوس فلكلورية قائمة على الخرافة (مثل تسخين زجاجة مملوءة ببول المريض والدبابيس على النار) في محاولات يائسة لإثبات اتهاماتهم، وهي محاولات باءت بالفشل لكنها زادت من حدة الاحتقان.

تفاقم العنف وحملات الاعتداء

بلغ التوتر ذروته في مايو 1808، إثر حادث عرضي تعرضت له عربة في القرية، حيث حُمِّلت “آن” المسؤولية غيابياً، وفي ليلة الثامن من مايو، هاجم حشد من الغوغاء منزلها، وجروها عارية من فراشها واعتدوا عليها جسدياً، وخدشوا ذراعيها بالدبابيس حتى سال الدم، ظناً منهم أن إراقة دمائها ستسلب “قواها الخفية”.

بعد الهجوم، لجأت “آن” إلى جارتها “أليس راسل” التي أظهرت موقفاً إنسانياً نبيلاً بتقديم الرعاية لها، ونتيجة لهذا التضامن، واجهت “راسل” بدورها اتهامات باللحاق بعالم السحر، مما شكل عليها ضغطاً نفسياً هائلاً أدى إلى إصابتها بنوبة صرع ووفاتها بعد أيام قليلة.

ولم تمر سوى أيام على الاعتداء الأول حتى تعرضت “آن” لهجوم ثانٍ أشد عنفاً، إذ اقتحم الغوغاء منزلها مجدداً وجروها من فراشها وضربوها، مهددين إياها باختبار “الغطس” سيئ السمعة والمميت، والذي يقضي بإلقاء المتهمة في الماء للحكم ببراءتها إن غرقت، أو إدانتها إن طفت على السطح.

تدخل قضائي مقتضب والشائعات المتوارثة

أجبرت هذه الاعتداءات المتكررة السلطات المحلية على التدخل، حيث أُلقي القبض على عدد من القرويين المتورطين وحُوكموا بالحبس لمدة شهر في سجن “هنتنغدون”.
ورغم هذه الإدانات، لم تتوقف المضايقات تماماً، واضطرت العائلة للبقاء في القرية لعدة سنوات أخرى حتى عام 1813، حين تجددت الاتهامات لتطال “آن” وابنتها الصغرى “روث”، مما استدعى ملاحقات قانونية إضافية ضد مروجي تلك الشائعات.

سعياً للنجاة من العداء المستمر

غادرت العائلة قريتها لتستقر في بلدة “سانت نيوتس” المجاورة، غير أن الشائعات ظلت تلاحقها وتحاول تحويلها إلى أسطورة ريفية تناقلتها الأجيال حتى القرن العشرين، ومن أبرز المزاعم الفلكلورية التي طالتها،الطيران الليلي، زعم السكان أنها كانت تركب عصا مكنسة طائرة عبر ساحات الكنائس.

النهاية والإرث التاريخي

توفيت “آن إيزارد” عام 1838، بعد سنوات من رحيل زوجها، ودُفنت في قبر مجهول بكنيسة “سانت ماري” في سانت نيوتس. وتظل قصتها تذكيراً تاريخياً بأهمية الوعي العلمي وسيادة القانون في حماية الأفراد الضعفاء، وتؤكد أن الإيمان بالسحر واستعداد المجتمعات للعنف ظلا راسخين في ريف إنجلترا لأجيال طويلة بعد إلغاء القوانين الرسمية للمحاكمات.

رسم توضيحى للساحرات
رسم توضيحى للساحرات


 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً