
لو خُيرت للعمل في أي وظيفة في العالم، ماذا ستختار؟ تختلف إجابات الصغار والشباب في هذه الأيام عن قديمًا، فلم تعد وظائف كالطبيب والطيار والمهندس هي الأكثر طلبًا وإنما أصبحت وظائف جديدة كالإنفلونسر والفود بلوجر والفاشونيستا هي الأكثر شعبية حول العالم، ماعدا في بريطانيا، حيث كشفت دراسة حديثة كشفت عن إجابة مفاجئة ومختلفة تمامًا.
وأظهر تحليل أجرته شركة الخدمات المالية الرقمية “ريميتلي” لبيانات محركات البحث في أكثر من 140 دولة أن وظائف مثل الممثل والطيار ورجل الإطفاء لا تزال تتربع على عرش أحلام الكثيرين عالمياً، اتجهت طموحات البريطانيين نحو خيار أكثر واقعية واستقراراً على الأرض. لقد تجاوزوا بريق الوظائف العصرية كصناع المحتوى ومنسقي الأغاني، ليحتل “سائق القطار” رسمياً المركز الأول كأكثر وظيفة مرغوبة في البلاد، وهو تحول يمثل تغييراً جذرياً عما كانت عليه الأوضاع في عام 2024، حينما كانت مهنة “اليوتيوبر” هي الحلم الأكبر.
قلق الأجيال الشابة والهروب من شبح الذكاء الاصطناعي
وحسبما ذكر موقع “مترو” البريطاني يعكس هذا التغير السريع في مفهوم “الوظيفة الطموحة” حالة من القلق العميق تجاه المستقبل بين الشباب البريطاني، وهو ما أكدته أبحاث حديثة صادرة عن مؤسسة “كينجز تراست”. أظهرت الأرقام أن أكثر من ربع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عاماً يسيطر عليهم شعور بالفشل المستقبلي، في حين عبر 73% من المشاركين البالغ عددهم أكثر من أربعة آلاف شاب عن قلقهم البالغ إزاء مساراتهم المهنية وندرة فرص العمل المناسبة لهم. وفي ظل هذه المخاوف، تبرز المهن التقليدية مثل قيادة القطارات كملاذ آمن، خاصة وأنها تُصنف ضمن الوظائف التي يصعب استبدالها كلياً بتقنيات الذكاء الاصطناعي في المدى القريب.
رواتب مجزية تطفئ بريق عالم “الإنفلونسر”
قد تبدو قيادة القطارات على الورق وظيفة خالية من البريق المعتاد، لكن الخبيرة المهنية هانا سالتون تجد أن جاذبيتها مبررة جداً في الوقت الراهن. وتشير سالتون إلى أن الكثيرين يشعرون بالإرهاق من بيئة العمل المؤسسية وسوق العمل المتقلب، مما يجعل وظيفة تتسم بالاستقرار المادي والعملي خياراً مغرياً. لغة الأرقام تدعم هذا التوجه بوضوح، فمتوسط الراتب السنوي لسائق القطار في المملكة المتحدة يصل إلى 56 ألف جنيه إسترليني، وهو ما يتجاوز متوسط الأجور العام في البلاد بنحو 20 ألف جنيه. وعلى الرغم من أن العمل كصانع محتوى لا يزال يراود أحلام الكثيرين، إلا أن الوعي بتشبع هذا السوق وصعوبة تحقيق دخل مستدام منه للمدى الطويل بدأ يتزايد، ناهيك عن الإدراك المتنامي لسلبيات الشهرة الرقمية مثل فقدان الخصوصية والتنمر الإلكتروني والضغوط النفسية.
هل هي وظيفة آمنة من تهديد الذكاء الاصطناعي؟
تعتقد الدكتورة ديردري هيوز، مستشارة السياسات والمتخصصة في التوجيه المهني، أن التغطية الإعلامية المستمرة للنزاعات العمالية ورواتب السائقين جعلت العلاقة بين مستوى الدخل والمؤهلات المطلوبة لهذه المهنة واضحة وجاذبة للجميع. وتؤكد أن الحصول على راتب قوي في مهنة ذات غطاء نقابي راسخ، ودون الحاجة لتحمل أعباء الديون الجامعية، يعد عرضاً لا يُقاوم.
ورغم هذا التفاؤل، تحذر هانا سالتون من اعتبار المهنة محصنة تماماً ضد تطورات المستقبل، فرغم أن أتمتة خطوط القطارات الرئيسية لا تزال بعيدة المنال مقارنة بالأنظمة المغلقة كمترو الأنفاق، إلا أن التوسع التقني قادم لا محالة، مما يجعلها خياراً ممتازاً ومستقراً على المدى القصير، لكنه قد يحمل بعض التحديات على المدى الطويل.
الطريق نحو كابينة القيادة
يتطلب الدخول إلى هذا المجال الواعد المرور بخطوات عملية تبدأ بالتقدم المباشر للبرامج التدريبية المخصصة للسائقين المبتدئين والتي تطرحها شركات تشغيل القطارات. وتشترط معظم هذه الشركات ألا يقل عمر المتقدم عن 21 عاماً، مع ضرورة تجاوز الفحوصات الطبية الصارمة التي تشمل تقييم الرؤية والسمع واختبارات اللياقة الشاملة.
ولا تتطلب المهنة شهادات جامعية عليا، بل يُكتفى بالشهادات المدرسية الأساسية في اللغة الإنجليزية والرياضيات. وتمتد فترة التدريب المكثف بين 12 و18 شهراً، وتشمل دراسة نظرية وتقييمات عبر أجهزة المحاكاة وساعات قيادة فعلية تحت الإشراف. وخلال هذه الفترة، يتقاضى المتدرب راتباً يتراوح بين 27 و36 ألف جنيه إسترليني، ليرتفع تدريجياً مع حصوله على الاعتماد النهائي وتراكم خبراته العملية.