فلسطين والقلم وما يسطرون

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليس الاستبداد وحده ما يهدد الشعوب، ولا الهزائم العسكرية أو المعنوية فحسب؛ بل من أخطر ما تواجهه الأمم أنْ يتحوّل أصحاب القلم والمنابر الوعظية والإعلامية، ورواد الفضاء الرقمي إلى أدوات تبرير وتسويغ، لا أدوات وعي وبصيرة، فيتجندوا للدفاع عن اجتهادات وقرارات القيادات القائمة ورؤاها، وعن مصالحهم الخاصة، بدل الدفاع عن الحقائق والثوابت والقِيم، خدمةً للمصلحة الحزبية أو الفئوية مهما بلغت الكلفة السياسية والأخلاقية لذلك.

 

لم تدرك هذه الفئة أنّ القلم الذي أقسم الله به ليس قيمة في ذاته، وإنما بما يخطه من معانٍ، وبما يحرره من وعي، وبما يصوغه من إدراك تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل.
فالأوطان لا تُبنى بالقوة العسكرية، ولا بالمؤسسات العمرانية وحدهما، بل بمن يراجع أخطاءها، ويصون ذاكرتها، ويحفظ كرامتها، ويمنح الأجيال القدرة على فهم تاريخها والتفكير في حاضرها واستشراف مستقبلها.

 

ولم يكن القلم يومًا أداةً للتأريخ أو التعبير المجرد، ولا وسيلةً لتزييف الوعي أو تسويغه من أجل البقاء؛ بل كان فعلًا نقديًا ينهض على المساءلة، وحماية الحقيقة، وصون الوعي العام من الانزلاق نحو التبرير.

 

وفي الحالة الفلسطينية التي تعيش ترديًا متدحرجًا في ظل الحرب المستمرة في غزة، تتجلى هذه الإشكالية في صورتها الأكثر تعقيدًا وحِدّة، حيث تتقاطع المأساة الممتدة مع انسداد سياسي شبه مُؤسَّس، وتختلط الحقيقة بالاصطفاف، وتتحوّل الحرب إلى كاشف لانكشافات أعمق في بنية الفعل السياسي وآليات إنتاج الخطاب. 

فبين تعثر مسارات التسوية، وانسداد أفق السلطة القائمة في الضفة، ومنطق المقاومة المسلحة المجردة من المنطق في غزة، وتعدد مراكز القرار الفعلية، وتضارب متزايد بين الحسابات الفصائلية والمصلحة الوطنية الجامعة، يتآكل مفهوم المصلحة الوطنية ذاته لصالح منطق تنافسي تُدار فيه السياسة بوصفها إدارة للبقاء لا صناعة للمستقبل.

 

وتظهر في هذا السياق أربع مسلمات سياسية تراكمت عبر الزمن وأسهم الخطاب العام في تثبيتها: الأولى، تحوّل الخطاب السياسي من بناء دولة إلى إدارة الصمود، مع تحويل الإنجاز السياسي إلى سردية نصر رمزي بعد كل جولة صراع. 

والثانية، ترسخ خطاب النصر بما أفرزه من دورات صراع متكررة دون استراتيجية خروج واضحة أو أفق تراكمي. والثالثة، إدارة الانقسام بوصفه واقعًا قابلًا للتعايش بدل اعتباره خللًا بنيويًا في النظام السياسي الفلسطيني. 

والرابعة، تأجيل الحسم في قضايا التمثيل والشرعية عبر تعطيل الاستحقاقات السياسية الدورية، والاستمرار في السير في الساقية الدائرية.

 

وفي ظل هذه المسلمات، لا يعود القلم عنصرًا محايدًا في توصيف الواقع، بل يدخل في قلب الصراع على تشكيل الوعي: إمّا أنْ يظل وفيًّا للحقيقة بوصفها كلفة سياسية عالية، أو ينزلق ــ بدرجات متفاوتة من الوعي أو التبرير ــ إلى إعادة إنتاج خطاب وفق نظرية التكيّف المتعاظم؛ حيث يُكيّف الأزمة بدل أن يُفككها، ويعيد ترتيبها لغويًا بدل مواجهتها بنيويًا.

 

الكتابة الحقيقية في هذه اللحظة تتطلب الاعتراف بأنّ بعض الخيارات الاستراتيجية أسهمت في تعميق المأساة، وأنّ استمرار تبريرها ليس وفاءً للشهداء، بل تحميلٌ للأجيال القادمة كلفة استمرار الانسداد. غير أنّ هذا التشخيص الداخلي لا يُلغي طبيعة الصراع البنيوي والوجودي الذي تمثله إسرائيل، بل يضعه في سياقه المركّب، حيث يتداخل الخارجي بالداخلي في إنتاج المأزق الفلسطيني المستمر، وتتشابك حدود الفعل الوطني مع حدود الانقسام الداخلي في لحظة استنزاف تاريخية مفتوحة.

 

الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تُكمَّم الأفواه بالسَّجن أو بالاغتيال المادي والمعنوي، ولا عندما تُوصد أبواب التفكير والتعبير، بل عندما يصبح الصمت أكثر راحة من السؤال، والطاعة فضيلة أعلى من قول الحقيقة، ويتحوّل الخوف إلى ثقافة عامة تحكم العقول والضمائر؛ عندئذٍ لا تكون المأساة في غياب القلم، بل في تحوله إلى أداة طمأنة كاذبة للواقع بدل أنْ يكون أداة مساءلة له.

 

هنا لا يعود الصراع بين الحقيقة والبقاء صراعًا ظرفيًا، بل يتحوّل إلى سؤال سياسيّ وجودي: هل تُدار الكتابة بوصفها أداة كشف للواقع، أم بوصفها آلية لإدامة التوازنات القائمة؟ وهل البقاء، حين ينفصل عن الحقيقة، يظل شكلًا من أشكال الحياة، أم يتحوّل إلى مجرد استمرار فارغ يعيد إنتاج الانهيار بصيغة قابلة للتعايش؟، يُنظر فيها إلى الشعوب ككائنات ناجية لا كذواتٍ حرة.

 

إنّ ما تكشفه اللحظة الفلسطينية الراهنة ليس فقط أزمة سياسة، بل أزمة معنى: معنى القلم، ومعنى الحقيقة، ومعنى أنْ يُكتَب تاريخ شعب يعيش تحت ضغط الفقد والانقسام والحرب. وفي مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يكتب عن فلسطين؟ بل: بأي منطق تُكتب فلسطين أصلًا؟

 

إنّ أخطر ما تواجهه هذه اللحظة ليس أنْ تُهزم الرواية، بل أنْ تتحول الرواية نفسها إلى أداة إدارة للهزيمة؛ تُعاد صياغتها بما يكفل بقاء الفاعلين لا بقاء الحقيقة، ويُعاد تدويرها بما يضمن استمرار المواقع لا تصحيح المسار. وحينها لا يعود القلم شاهدًا على الواقع، بل شريكًا في تثبيته كما هو، حتى لو كان هذا الواقع في جوهره شكلًا ممتدًا من الانكشاف.

في مثل هذا السياق، لا تكون الخيانة فعلًا صاخبًا يمكن رصده، بل انزياحًا هادئًا في وظيفة الكلمة: من مساءلة الفاعلين السياسيين إلى تبريرها، ومن تفكيك الأزمة إلى تأبيدها، ومن الدفاع عن الحقيقة إلى التعايش مع انحرافها. وهنا تحديدًا لا تُقاس خطورة القلم بما يكتبه، بل بما يتواطأ على عدم قوله.
وحين تتداخل الحقيقة مع البقاء، لا يخسر الإنسان أدواته فحسب، بل يخسر قدرته على التمييز بين ما يُبقيه حيًا وما يجعله مجرد شاهد على حياة تُدور في الفراغ.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً