19 يوليو 2026 00:47 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 يوليو 00:48 2026
قدر العراق أن ينتقل من حرب إلى أخرى افتعلها، أو ورّطه فيها المتسلطون، بعضها عسكرية وبعضها مدنية. الأوهام ورّطت العراق في مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب، وإذا كانت الحرب مع إيران لها أسبابها، فإن غزو الكويت لم تكن له مبررات منطقية، ما جلب إلى العراق تحالفاً دولياً بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت، والنتيجة دمار، وانهيار، وتخبّط أغرى أمريكا بغزوه بدعوى امتلاكه «أسلحة دمار شامل»، وانتهاك قرارات الأمم المتحدة. الدافع الحقيقي وراء كل ذلك هو الرغبة الأمريكية في تغيير النظام، وهو ما تحقق لينتقل العراق إلى مرحلة جديدة بشّرت إدارة جورج دبليو بوش بأنها ستكون «فجر جديد» يعقبه نشر الديمقراطية، وبناء عراق موحد ومزدهر خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى إطلاق شرارة التغيير السياسي في المنطقة بأسرها، وكانت بالفعل بداية خلخلة وتغيير ملامح المنطقة.
منذ سقوط بغداد عام 2003، لم يكن التحدي الأكبر أمام العراق إسقاط نظام سياسي بقدر ما كان بناء دولة جديدة، ولكنها جاءت دولة طائفية مفكّكة يطمع في خيراتها أعداء الداخل والخارج، ويستهدفها الإرهابيون وتتصارع على السيطرة على القرار فيها ميليشيات مسلحة، ما فرض عليها خوض العديد من الحروب، منها ما حقق الهدف مثل الحرب على الإرهاب الذي أخرج «داعش» منها، ومنها ما كانت حروباً ناقصة كأنها انطلقت لأهداف دعائية، مثل الحرب على الفساد، وحرب نزع سلاح الميليشيات، المنفلتة والمؤدلجة.
الدول لا تُبنى بمجرد تغيير نظام، وإنما بإعادة صياغة المؤسسات، وإرساء سيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، وتغليب مفهوم المواطنة على الهويات الفرعية.
23 عاماً وما زال العراق يحاول التخلص من الشوائب التي علقت به منذ الاحتلال الأمريكي، وكل حكومة جديدة تعلن في البداية أنها ستحارب الإرهاب وتنزع سلاح الميليشيات، كأن الجميع يبدأ من النقطة نفسها، ثم ينتهي إلى النتائج ذاتها.
ترك الاحتلال وراءه نظاماً سياسياً قائماً على المحاصصة، الطائفية والإثنية، باعتباره وسيلة لضمان مشاركة الجميع في السلطة، لكن هذه الصيغة التي بدت في ظاهرها توافقية تحولت عملياً إلى بوابة لتقاسم النفوذ والوزارات، فتراجع معيار الكفاءة أمام الانتماء السياسي والطائفي، وأصبحت مؤسسات الدولة ساحة لتوازنات القوى أكثر من كونها أجهزة لخدمة المواطنين. ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، فقد أتاح الفراغ الأمني الذي أعقب حل الجيش العراقي ونشوء تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» ثم «داعش»، ظهور عشرات الفصائل المسلحة التي اكتسبت شرعية شعبية خلال الحرب على الإرهاب، لكنها بقيت بعد انتهاء المعارك لاعباً مؤثراً خارج الإطار التقليدي للدولة، وهكذا وجد العراق نفسه أمام معضلة مزدوجة: دولة تمتلك جيشاً رسمياً، وميليشيات مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً.
وفي الوقت نفسه، استشرى الفساد بصورة غير مسبوقة، فعلى الرغم من الإيرادات النفطية الضخمة التي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، ما زالت الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، تعاني اختلالات كبيرة، وما زال العراق يتذيل القائمة في المؤشرات الدولية في مجال النزاهة والشفافية، إذ يحتل المرتبة ال136عالمياً في مؤشر مدركات الفساد، وتجاوز حجم الأموال المنهوبة والأصول الضائعة جراء الفساد في العراق حاجز تريليوني دولار، منذ عام 2003 وحتى الآن، حسب تصريحات رسمية أدلى بها المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي.
وعلى الرغم من هذا المشهد القاتم، فإن العراق لم يتوقف عن المحاولة، فقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات لاستعادة شيء من هيبة الدولة، من خلال تعزيز دور المؤسسات الأمنية، وملاحقة بعض ملفات الفساد، وتحسين العلاقات الخارجية، والانفتاح على محيطه العربي، ومحاولة اتّباع سياسة توازن بين الولايات المتحدة وإيران، بما يقلل من تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي.
حكومة علي الزيدي، لم تكتف بالكلام عن محاربة الفساد، ولكنها بالفعل بدأت تقاتل، وألقت القبض على أعضاء برلمان وأصحاب نفوذ ومسؤولين تنفيذيين، ولكن السؤال الكبير الذي يسأله الناس هو: هل ستواصل، أم أن الضغوط التي تتعرض لها «ستفرملها»، وتفرض عليها الصمت والقبول بالأمر الواقع، والاستسلام للفاسدين وصناع الانفلات من قادة الميليشيات؟
لا شك في أن المخلصين من أصحاب القرار في العراق لديهم إرادة تطهيره من الفاسدين والمنفلتين، ولكن هذه الإرادة تلزمها مواجهة منظومة مصالح تشكلت، وتحكّمت، واستحوذت. الإصلاح لا يعني إصدار قرارات إدارية، وإنما إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة نفسها، ما يجعل كل خطوة إصلاحية تصطدم بقوى ترى في التغيير تهديداً مباشراً لمصالحها.
نعم، الساحة العراقية تشهد اليوم مساراً مزدوجاً يهدف إلى استعادة هيبة الدولة عبر تفكيك شبكات الفساد المالي وحصر السلاح بيد الدولة، وهما الأزمتان الكبيرتان، اللتان تمهّدان إذا اكتمل نجاحهما لعودة عراق قوي موحد لا ينتمي أبناؤه إلى الطائفة أو القبيلة، ولكن ينتمون إلى الوطن، يحمونه ويحتمون به، ويستبدلون المواطنة بالمحاصصة، ما يغلق كل الأبواب أمام القوى الخارجية التي تريد أن تجعل العراق ساحة لصراعاتها، وأمام المنتفعين في الداخل من تفكيك أوصاله، واستنزاف ثرواته، وتغيير هويته.