ابتلعها جبل بركاني.. تطبيق ذكي يعيد مدينة قديمة بإيطاليا بعد 2000 عام

ابتلعها جبل بركاني.. تطبيق ذكي يعيد مدينة قديمة بإيطاليا بعد 2000 عام


ابتلعها جبل بركاني.. تطبيق ذكي يعيد مدينة قديمة بإيطاليا بعد 2000 عام

بعد نحو 2000 عام على واحدة من أكثر الكوارث شهرة في العالم القديم، تستعيد مدينة بومبي الرومانية ملامح حياتها السابقة لثوران جبل فيزوف عام 79 ميلادي، لكن هذه المرة من خلال التكنولوجيا، وطور مهندس ألعاب سابق من ولاية إلينوي الأمريكية وفريقه، تطبيقًا يعتمد على الواقع الممتد وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لإعادة إحياء المواقع الأثرية في بومبي، بما يتيح للزائر أن يرى المدينة كما كانت قبل أن يغطيها الرماد والحطام البركاني، وفقًا لـ«بيبيولار ساينس».

ويتيح التطبيق للمستخدم الوقوف في الساحات والمسارح والمدرجات الرومانية، ومشاهدة سكان المدينة وحيواناتها والاستماع إلى الأصوات المحيطة بهم، بل وحتى مشاهدة جبل فيزوف وهو يثور في الأفق، في تجربة تحاول الجمع بين زيارة الموقع الأثري والسفر عبر الزمن.

155 عملية مسح لإعادة بناء بومبي

خلف هذه التجربة يقف تود بورتر، مهندس ألعاب سابق ومؤسس شركة البرمجيات «Histoury»، الذي خاض رحلة شاقة لإعادة بناء المواقع الأثرية رقميًا.

وقضى بورتر وفريقه وقتًا طويلًا في التجول داخل المواقع الأثرية، وأجروا 155 عملية مسح تحت أشعة الشمس القوية في جنوب إيطاليا، بهدف إنشاء نماذج رقمية شديدة الدقة للمباني والشوارع والساحات.

وبدأت فكرة المشروع قبل نحو 15 عامًا، عندما زار بورتر مدينة هيركولانيوم، وخلال جولته في الموقع، فكر في توظيف خبرته في صناعة ألعاب الفيديو لإعادة بناء البيئة المحيطة به رقميًا، بحيث يستطيع الزائر رؤيتها من خلال هاتفه، لكن التكنولوجيا في ذلك الوقت لم تكن تسمح بتنفيذ الفكرة، وهو ما دفع بورتر إلى القول مازحًا إن الهواتف الذكية احتاجت إلى 13 عامًا حتى تلحق برؤيته.

ولم يكن الحصول على موافقة إدارة حديقة بومبي الأثرية أمرًا سهلًا، إذ ظل أحد أعضاء الفريق، الذي كان يعمل سابقًا موظف استقبال في أحد الفنادق، يتواصل مع إدارة الموقع بشكل متكرر إلى أن وافقت أخيرًا على مشاهدة عرض تجريبي للمشروع.

جهاز يشبه «القنبلة»

وتعتمد عملية إعادة بناء بومبي رقميًا على نوعين رئيسيين من المسح، الأول هو المسح عالي الدقة، الذي ينتج نموذجًا ثلاثي الأبعاد للموقع بدقة تقل عن سنتيمترين. ويتم ذلك باستخدام جهاز LiDAR، حيث يتحرك فريق العمل في أنحاء الموقع بينما يقوم الجهاز بجمع البيانات اللازمة لبناء شبكة ثلاثية الأبعاد دقيقة.

ويصف بورتر جهاز المسح بأنه يشبه «قنبلة» صغيرة أو حبة دواء عملاقة تدور حولها أضواء وتصدر أصواتًا أثناء استخدامها، بينما يمسكه المستخدم بيد وينظر إلى هاتفه باليد الأخرى.

بعد إنشاء النموذج، يبدأ فنانو «Histoury» في بناء العناصر الرقمية فوق الشبكة ثلاثية الأبعاد، بالتعاون مع علماء آثار للتأكد من أن تفاصيل إعادة البناء تتوافق قدر الإمكان مع الأدلة التاريخية.

أما النوع الثاني فهو المسح المكاني، ويستخدم جهازًا أقل قوة يسمى «Xgrid Portalcam»، وتكمن أهميته في تحديد موقع المستخدم واتجاهه داخل الموقع بدقة أكبر بكثير من نظام «GPS» التقليدي.

ويعتمد التطبيق على الذكاء الاصطناعي لمقارنة الصور التي تلتقطها كاميرا الهاتف مع صور لمواقع معروفة في قاعدة بياناته، بما يسمح بتحديد موقع المستخدم واتجاه نظره بدقة تصل إلى 6 بوصات.

وتساعد هذه التقنية فريق التصميم على مراجعة العمل عن بُعد، إذ يستطيع الفنانون التنقل افتراضيًا داخل الموقع والتبديل بين المشهد الحقيقي وإعادة البناء الرقمية للتأكد من تطابق العناصر في أماكنها الصحيحة.

الذكاء الاصطناعي يختبر دقة إعادة البناء

وفي المرحلة النهائية، يستخدم فريق الشركة وكلاء ذكاء اصطناعي يتحركون افتراضيًا داخل إعادة البناء الرقمية، وينظرون في الاتجاهات المختلفة بهدف اختبار دقة تحديد المواقع والعناصر التي أُضيفت إلى المشهد، وكشفت الاختبارات عن نتائج غير دقيقة أو أقل من المستوى المطلوب، يعود الفريق إلى الموقع لإجراء عمليات مسح إضافية.

ويقول بورتر إن هذه الطريقة توفر وقتًا وجهدًا كبيرين، إذ لم يعد من الضروري إرسال أشخاص إلى الموقع والوقوف في آلاف النقاط المختلفة للتحقق من دقة النتائج، ويمكن إجراء جزء كبير من عملية التحقق افتراضيًا.

بومبي كما كانت قبل الانفجار

النتيجة النهائية هي تطبيق للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية يحمل اسم «Portyl»، ويتيح للمستخدم رؤية بومبي كما يُعتقد أنها كانت قبل ثوران فيزوف.

ويضم التطبيق شخصيات بشرية وحيوانات ومؤثرات صوتية وتعليقات صوتية، ما يجعل التجربة أقرب إلى جولة داخل المدينة الرومانية وهي لا تزال نابضة بالحياة.

وتشمل المواقع التي أعيد بناؤها حتى الآن مدرج بومبي، والمسرح الكبير، والمسرح الصغير، والساحة الرباعية التي كانت تستخدم لتدريب المصارعين، ومنزل عازف القيثارة، والمنتدى والكنيسة، فيما يواصل الفريق العمل على إضافة مواقع جديدة.

ولا تقتصر التجربة على الموجودين داخل الموقع الأثري؛ إذ يمكن استخدامها أيضًا من جانب الأشخاص الذين لا يستطيعون السفر إلى إيطاليا.

أما الزائر الموجود فعليًا في بومبي، فيكفيه رفع هاتفه أو جهازه اللوحي، ليحدد التطبيق مكان وقوفه واتجاه نظره، ثم يعرض إعادة البناء الرقمية متطابقة مع المكان الذي يقف فيه.

ويصف بورتر التجربة بأنها واحدة من أكثر التجارب سحرًا التي شارك فيها، مستشهدًا بما يحدث داخل المدرج، حيث يمكن للزائر أن يشاهد المصارعين وهم يتقاتلون وسط حشد ضخم يصل إلى عشرات الآلاف، بينما يسمع أصوات الجماهير وصرير الأسلحة.

من بومبي إلى مصر

ولا تبدو بومبي نهاية المشروع؛ إذ تقترب شركة «Histoury» من توقيع اتفاق للعمل في هركولانيوم، كما تخطط للتوسع في دول أخرى، من بينها مصر، ما قد يفتح الباب أمام إعادة إحياء مواقع أثرية جديدة باستخدام التكنولوجيا نفسها.

هل يعيد الذكاء الاصطناعي بناء الكارثة أيضًا؟

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في بومبي يثير سؤالًا آخر يتعلق بالحدود بين إعادة بناء التاريخ وتحويل المأساة إلى تجربة ترفيهية.

فقد استخدمت الحديقة الأثرية بالفعل الذكاء الاصطناعي في وقت سابق لإنتاج مقطع يستند إلى بيانات أثرية ويصور اللحظات الأخيرة لرجل عُثر على هيكله العظمي بالقرب من إحدى بوابات المدينة.

ومع قدرة تطبيق Portyl على إعادة خلق أجواء بومبي، فإن التجربة قد تصل أيضًا إلى اللحظة الأكثر مأساوية، عندما يثور فيزوف، فتتغير المدينة أمام أعين المستخدم، بينما تهرب الشخصيات من الكارثة وتتعالى أصوات الفزع.