من المعارضة إلى السلطة.. كيف كشفت تجربة الإخوان أزمة الانتقال إلى حكم الدولة؟
من المعارضة إلى السلطة.. كيف كشفت تجربة الإخوان أزمة الانتقال إلى حكم الدولة؟
وصلت جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم وهي تحمل معها أدبيات تنظيمية تشكلت على مدار عقود من العمل الدعوي والسياسي، لكن الانتقال من العمل داخل تنظيم مغلق إلى إدارة دولة بكل مؤسساتها وتنوعها لم يكن انتقالا سهلا، وكشفت تجربة الإخوان في الحكم عن إشكالية جوهرية تتعلق بالفارق بين «منطق الجماعة» ومتطلبات «منطق الدولة» خاصة فيما يتعلق بمفاهيم السلطة والمواطنة والتعددية والقانون.
أدبيات جماعة الإخوان لا تصنع دولة
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد حجازي شريف، أستاذ علوم سياسية، إن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن مجرد تنظيم سياسي عابر وإنما تحولت منذ تأسيسها عام 1928 إلى واحدة من أكثر الظواهر تأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، مستفيدة من قدرتها على التنظيم والحشد وبناء الشبكات الاجتماعية، إلا أن انتقالها من موقع المعارضة إلى موقع الحكم عقب أحداث ثورة 25 يناير 2011 وضعها أمام اختبار مختلف تمامًا، تمثل في القدرة على إدارة الدولة.
وأضاف في تصريحات لـ«الوطن» أن تجربة جماعة الإخوان في مصر أثبتت أن امتلاك تنظيم قوي والقدرة على الحشد والوصول إلى السلطة عبر الانتخابات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة الدولة، موضحا أن الجماعة التي بدأت نشاطها في مصر ثم امتدت إلى عشرات الدول فيما عرف بالتنظيم الدولي انتهت تجربتها السياسية في مصر، بعدما كشفت تجربة الحكم عن فجوة كبيرة بين منطق الجماعة ومنطق الدولة.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن أبرز إشكالات التجربة الإخوانية، تمثلت في أولوية التنظيم على الدولة وقوة الولاء التنظيمي ومركزية القيادة، إلى جانب التوتر مع مفهوم الدولة المدنية وإشكالية العلاقة مع مؤسسات الدولة والتداخل بين الدعوة والسياسة، بالإضافة لصعوبة الفصل بين التنظيم والحزب وتوظيف خطاب الهوية الدينية في المجال السياسي وعدم القدرة على بناء تحالفات سياسية مستقرة وإدارة التوافق، وهو ما أدى إلى أزمة ثقة مع عدد من القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
الانتقال إلى «منطق الدولة» يحتاج لمراجعة عميقة لمفاهيم السلطة
وأشار إلى أن هذه الإشكالات ظهرت بصورة أكثر وضوحا عقب ثورة 25 يناير 2011 عندما انتقلت جماعة الإخوان من العمل التنظيمي والمعارض إلى مسؤولية إدارة الدولة، موضحا أن الانتخابات البرلمانية منحت الجماعة قوة سياسية كبيرة قبل أن يصل محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية في يونيو 2012 إلا أن تجربة الحكم دخلت سريعًا في صراعات متزايدة مع قوى سياسية ومجتمعية ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن تصاعد حالة الاستقطاب السياسي والمجتمعي انتهى إلى احتجاجات جماهيرية واسعة في 30 يونيو 2013 أعقبها تدخل القوات المسلحة استجابة لإرادة الشعب وانتهى الأمر بعزل محمد مرسي في 3 يوليو 2013، مؤكدا أن هذه التطورات كشفت بوضوح صعوبة انتقال الجماعة من منطق التنظيم إلى منطق الدولة.
وأكد أن الانتقال من «منطق الجماعة» إلى «منطق الدولة» كان يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفاهيم السلطة والمواطنة والتعددية والولاء الوطني، مشيرا إلى أن المشكلة لم تكن فقط في أخطاء إدارة السلطة، وإنما في الفارق الجوهري بين عقلية التنظيم وعقلية الدولة.
وتابع أن الدولة لا تدار بمنطق الولاء التنظيمي أو امتلاك الحقيقة أو تقسيم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، وإنما تدار بالدستور والقانون، والمواطنة المتساوية، وقبول الاختلاف، واحترام مؤسسات الدولة، وإتاحة حق الشعب في اختيار من يحكمه ومحاسبته وتغييره، موضحا أن جماعة الإخوان امتلكت تنظيمًا قويا وقاعدة اجتماعية وقدرة كبيرة على الحشد ووصلت إلى السلطة عبر الانتخابات، إلا أن الاختبار الحقيقي لم يكن في الوصول إلى الحكم، وإنما في القدرة على إدارة دولة بكل مؤسساتها وتنوعها واختلافاتها.
وأشار إلى أن سقوط التجربة الإخوانية لم يكن مجرد نهاية حكومة أو رئيس، وإنما كان درسًا سياسيًا أوسع، مفاده أن من يريد حكم الدولة عليه أولًا أن يتجاوز عقلية الجماعة، وأن يجعل الوطن فوق التنظيم، والمواطنة فوق الانتماء، والدستور فوق الجميع، مشددًا على أنه لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية التنظيم المغلق، ولا يمكن أن يكون الولاء لجماعة أعلى من الولاء للوطن.


تعليقات