القرض على الباب والسجن في الانتظار، “فيتو” تفتح ملف شركات التمويل التي تحاصر سيدات الريف بالدقهلية

القرض على الباب والسجن في الانتظار، “فيتو” تفتح ملف شركات التمويل التي تحاصر سيدات الريف بالدقهلية

في قرية «ميت سبيل» بـمحافظة الدقهلية، تروي عدد من السيدات تفاصيل صادمة عن حصولهن على مبالغ مالية محدودة بعدما قيل لهن إنها «مساعدات شهرية»، قبل أن يكتشفن لاحقًا وجود التزامات مالية ضخمة وقضايا مرتبطة بأسمائهن.

وتقول بثينة ر. م، إحدى السيدات المتضررات، إنها وقعت هي وزوجها على أوراق للحصول على مبلغ 2000 جنيه، قبل أن تفاجأ -بحسب روايتها- بمطالبات وصلت إلى 43 مليون جنيه و7 قضايا تبديد، إضافة إلى أحكام بالحبس. وتؤكد أنها ليست وحدها، مشيرة إلى وجود سيدات أخريات في القرية يواجهن قضايا مرتبطة بتمويلات، بينما يؤكد محاميهن أن كل حالة تحتاج إلى فحص دقيق للعقود والمستندات لتحديد حقيقة ما جرى.

إحدى الضحايا: وقعت على ألف جنيه.. وفوجئت بقضية

وتروي أحلام م.، إحدى السيدات، أنها وقعت على أوراق للحصول على ألف جنيه كمساعدة شهرية، لكنها فوجئت لاحقًا -بحسب روايتها- بوجود قضية تبديد باسمها، واكتشفت أن هناك تمويلًا مسجلًا عليها لم تكن تعلم به. وتقول إن بعض السيدات حصلن فعليًا على ألف أو ألفي جنيه، بينما ظهرت لاحقًا التزامات مالية أكبر، وهو ما دفعهن إلى اللجوء للجهات المختصة والمحامين. وبحسب روايات السيدات ومحامي عدد من المتضررات، فإن نحو 20 سيدة من القرية يواجهن قضايا وأحكامًا مرتبطة بتمويلات.

87.2 مليار جنيه في سوق التمويل

تأتي هذه الوقائع في وقت يشهد فيه سوق التمويل الاستهلاكي نموًا كبيرًا؛ وبحسب الأرقام الواردة في طلب إحاطة برلماني، بلغ حجم التمويلات الممنوحة خلال عام 2025 نحو 87.2 مليار جنيه، بزيادة تجاوزت 58% مقارنة بعام 2024.

النائب البرلماني حسام حسن
النائب البرلماني حسام حسن

النائب البرلماني حسام حسن

وأكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، في طلب الإحاطة، ضرورة تشديد الرقابة على سوق التمويل، محذرًا من بعض الممارسات غير القانونية، ومن بينها استخدام إيصالات الأمانة أو الضمانات المحظورة للضغط على المتعثرين. 

وأشار إلى مخاطر الإقراض غير المنظم في القرى والنجوع، خاصة مع لجوء بعض المواطنين إلى وسطاء غير مرخصين للحصول على الأموال بسرعة.

احدي الضحايا 
إحدى الضحايا 

المرأة.. الحلقة الأضعف؟

تشير البيانات التي أوردها طلب الإحاطة إلى أن المرأة تمثل نحو 53% من محفظة عملاء إحدى الشركات العاملة في مجال التمويل. فالمرأة التي تلجأ إلى التمويل لشراء احتياجات أسرتها أو إقامة مشروع صغير، قد تجد نفسها أمام أزمة حقيقية إذا تعثرت في السداد أو لم تكن على دراية كاملة بشروط العقد والالتزامات المترتبة عليه. 

المحامي محمد عبدالمجيد
المحامي محمد عبدالمجيد

المحامي محمد عبد المجيد: من 50 ألف جنيه إلى 5 ملايين

ويقول الدكتور محمد عبد المجيد، المحامي بالنقض، إن بعض الحالات التي تعامل معها بدأت بمديونيات محدودة، ثم تضخمت بعد اللجوء إلى جهات أخرى للحصول على تمويل جديد لسداد الدين القديم. 

ويضيف أن هناك حالات بدأت بنحو 50 ألف جنيه ثم ارتفعت الالتزامات إلى 3 و4 و5 ملايين جنيه، مشددًا على أن تحديد المسؤولية يحتاج إلى مراجعة العقود والإيصالات والمبالغ التي حصل عليها العميل فعليًا. 

كما يحذر من توقيع المواطنين على إيصالات أو أوراق لا يعرفون مضمونها، مؤكدًا أن أي مخالفة يجب أن تكون محل تحقيق وإثبات من الجهات المختصة.

الديون لا تنتهي عند الحسابات

ويرى الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، أن تراكم الديون والخوف من الحبس والضغوط الأسرية قد يخلق حالة من الضغط النفسي الشديد لدى المتعثرين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة. 

ويؤكد أن ربط وفاة أو انتحار أي شخص بالديون وحدها يحتاج إلى تحقيق مستقل يحدد جميع الأسباب والملابسات، لكن الخوف المزمن والشعور بالعجز وفقدان السيطرة عوامل تستحق الانتباه.

300 مليون جنيه في واقعة تعليمية

وفي واقعة أخرى مرتبطة بالتمويل التعليمي، تقدم عدد من أولياء الأمور بشكاوى بشأن التزامات ائتمانية قالوا إنها سجلت بأسمائهم دون علمهم. 

وتشير المعلومات الواردة في المستندات محل الفحص إلى أن قيمة التمويلات المرتبطة بالواقعة تجاوزت 300 مليون جنيه لنحو 619 ولي أمر، مع مراجعة الإجراءات واتخاذ خطوات لتصحيح البيانات الائتمانية للمتضررين.

التمويل.. مساعدة أم عبء؟

التمويل في حد ذاته ليس مشكلة، بل يمثل أداة مهمة لشراء الاحتياجات، وتمويل المشروعات، وتحقيق الشمول المالي؛ لكن الخطر يبدأ عندما لا يعرف المواطن حقيقة ما يوقع عليه، أو عندما يتحول الاحتياج إلى المال إلى باب لمديونيات تتجاوز قدرته على السداد.

وفي النهاية، لا تبدو قصة سيدات «ميت سبيل» مجرد أرقام وقضايا، وإنما نموذج لأزمة أكبر في كل قرى مصر، تحتاج إلى رقابة وتوعية وحماية للمقترض، حتى لا يتحول القرض الذي بدأ بألف أو ألفي جنيه إلى سنوات من الديون والمحاكم.