في 4 سبتمبر 1898، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم حدثًا ارتبط ببداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان ، عندما رفع الجيش المصري والبريطاني العلمين المصري والبريطانى فوق سراي الحاكم العام، عقب سقوط أم درمان وهزيمة قوات الدولة المهدية فى معركة كرري، لتبدأ مرحلة استعادة السيطرة المصرية البريطانية على السودان، والتي تبلورت رسميًا لاحقًا فى اتفاقية الحكم الثنائي الموقعة فى يناير 1899.
وجاء رفع العلمين بعد انتصار القوات المصرية والبريطانية بقيادة كتشنر على قوات الخليفة عبد الله التعايشي فى معركة أم درمان فى 2 سبتمبر 1898، ودخول الخرطوم، حيث رفع كتشنر العلمين فوق سراي الحاكم العام، فى خطوة حملت دلالة سياسية إلى جانب دلالتها العسكرية، بعدما كانت بريطانيا قد قررت أن يكون لها نصيب مباشر فى إدارة السودان، رغم أن الحملة جاءت فى إطار استعادة الأراضي التى خرجت عن سيطرة الحكومة المصرية خلال الثورة المهدية.
وكان مشهد رفع العلمين هو الأكثر دلالة على خطأ اعتقاد الخديو عباس حلمى الثانى وحكومته، أن «استرجاع السودان من المهديين إنما هو لصالح مصر فقط ودون مشاركة من أحد»، حسبما يؤكد المؤرخ الكبير الدكتور محمد فؤاد شكرى فى كتابه «مصر والسودان – تاريخ وحدة وادى النيل فى القرن التاسع عشر»، مضيفا: «أن الاعتقاد ذاع لدى المصريين بأن الغرض من استرجاع أية أقاليم فى السودان أو السودان بأسر، إنما هو كى يعود السودان إلى مصر: أى أن يقوم بالسودان الحكم المصرى ثانية، ولكن هذا الاعتقاد لم يلبث أن تبدد، عندما وصلت إلى الخديو وهو فى أوروبا برقية جاء فيها، أن الحكومة البريطانية أبلغت الحكومة المصرية أن لإنجلترا حق الاشتراك فى السودان، بما ضحت به من المال والرجال، وأن «كتشنر» رفع العلم الإنجليزى بجانب العلم المصرى على أم درمان».
من رفع العلمين إلى اتفاقية الحكم الثنائي
لم يكن رفع العلمين في سبتمبر 1898 هو نفسه تاريخ توقيع اتفاقية الحكم الثنائي، إذ جرى توقيع الاتفاقية في 19 يناير 1899 بين الحكومة المصرية وبريطانيا، ومثّل الجانب المصري فيها بطرس باشا غالي، بينما وقع عن الجانب البريطاني اللورد كرومر.
ونصت الاتفاقية على رفع العلمين المصري والبريطاني في السودان، كما جعلت السلطة العليا العسكرية والمدنية في يد الحاكم العام الذي يعينه الخديوي بناءً على ترشيح الحكومة البريطانية، بينما كان مساعدو الحاكم العام من المصريين. وبذلك أصبح لبريطانيا نفوذ واسع ومباشر في إدارة السودان، رغم الإطار الرسمي الذي حمل اسم «الحكم الثنائي».
وكانت بريطانيا قد بررت مشاركتها في حكم السودان بما قدمته من أموال ورجال خلال الحملة العسكرية، وهو ما أثار خيبة أمل لدى الجانب المصري، الذي كان ينظر إلى استعادة السودان باعتبارها عودة للأراضي التي كانت مرتبطة بمصر قبل قيام الدولة المهدية. وقد نقلت المصادر أن الحكومة البريطانية أبلغت الحكومة المصرية بحقها في الاشتراك في حكم السودان، وهو ما ظهر عمليًا في رفع العلم البريطاني إلى جانب العلم المصري في الخرطوم.
لماذا سُمي «الحكم الثنائي»؟
حمل النظام الجديد اسم الحكم الثنائي المصري البريطاني، باعتبار أن إدارة السودان أصبحت مرتبطة رسميًا بمصر وبريطانيا معًا، لكن السلطة الفعلية داخل الإدارة ظلت إلى حد كبير في يد البريطانيين.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الحاكم العام وكبار المديرين والمفتشين كانوا من البريطانيين، بينما كان المصريون يشغلون مواقع معاونين في الإدارة، وهو ما جعل المشاركة المصرية محدودة مقارنة بالنفوذ البريطاني.
واستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين، وشهد خلاله السودان تحولات سياسية وحركات وطنية طالبت بإنهاء السيطرة الاستعمارية وتحقيق الاستقلال.
السودان بين مصر وبريطانيا حتى الاستقلال
وظل السودان طوال تلك الفترة محورًا للعلاقة بين مصر وبريطانيا، كما ارتبطت قضيته بالحركة الوطنية المصرية وشعار وحدة وادي النيل، في الوقت الذي عملت فيه بريطانيا على تعزيز إدارتها المنفردة للشؤون السودانية.
وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن بريطانيا انفردت فعليًا بإدارة السودان خلال فترة الحكم الثنائي، رغم استمرار التواصل الثقافي والسياسي بين مصر والسودان، وارتباط قطاعات من المثقفين السودانيين بفكرة وحدة وادي النيل.
وانتهت مرحلة الحكم الثنائي مع استقلال السودان في 1 يناير 1956، حين أُنزل العلم البريطاني ورفع علم السودان فوق القصر الجمهوري في الخرطوم، إيذانًا ببدء عهد الاستقلال.


تعليقات