بعد عشرين عامًا من رحيل نجيب محفوظ لا يبدو الرجل بعيدًا كما يفترض أن يكون الموتى. هناك بعض الكتاب يرحلون عن الحياة ويبقى ما كتبوه، وهناك كتاب آخرون يحدث معهم شيء أكثر غرابة، يرحلون هم وتبقى المدن التي خلقوها تمشي بيننا، وتبقى شخصياتهم تبحث عن مصائرها في الشوارع نفسها، ويصبح صوتهم جزءًا من صوت المكان.
في 30 أغسطس 2006 رحل نجيب محفوظ عن القاهرة التي ولد فيها وعاش فيها ورأى العالم من خلالها. وبعد عشرين عامًا تبدو المفارقة واضحة. لم يعد محفوظ مجرد ابن للقاهرة، بل أصبحت القاهرة جزءًا من صورته في العالم. كتب عن الإنسان المصري حتى تجاوز الإنسان المصري، وأصبح يتحدث عن الإنسان في كل مكان.
لكن نوبل لم تكن هي التي جعلت محفوظ عالميًا. جاءت نوبل لتعلن للعالم شيئًا كان قد حدث بالفعل في أدبه. كان محفوظ قد اكتشف الطريق الأصعب إلى العالمية، وهو أن يكون مصريًا إلى أقصى درجة ممكنة، وأن يدخل إلى حارته وبيته وشارعه ومقهى مدينته حتى يجد الإنسان المختبئ خلف كل هذه التفاصيل.
وهنا تكمن عبقرية محفوظ.
لم يكتب عن القاهرة بوصفها خلفية للأحداث، بل جعلها كائنًا حيًا. في عالمه كانت الحارة ذاكرة، والبيت سلطة، والأب نظامًا، والابن تمردًا، والمرأة صمتًا وقوة، والمقهى وطنًا صغيرًا، والشارع مسرحًا للحياة، ومن خلال هذه التفاصيل المحلية استطاع أن يصل إلى أسئلة لا تخص المصري وحده: السلطة والحرية، الإيمان والشك، الحب والخيانة، الفقر والكرامة، الزمن والموت، الحلم والانكسار.
ولهذا فإن قراءة محفوظ اليوم ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي مواجهة مع الحاضر.
نحن ما زلنا نعيش في عالم الأقنعة الذي عرفه محفوظ. تغيرت الأقنعة فقط. كان الإنسان قديمًا يغير صوته عندما يدخل مكتب المسئول أو يعود إلى البيت، أما اليوم فقد يستطيع أن يصنع لنفسه صورة كاملة على شاشة صغيرة ويعيش حياة أمام الناس وحياة أخرى بعيدًا عن أعينهم. والسؤال المحفوظي ما زال قائمًا: من هو الإنسان عندما يسقط القناع؟
لم يكن محفوظ واقعيًا بمعنى تسجيل الحياة كما هي فقط. كان واقعيًا لأنه كان يرى ما وراء الظاهر. كان يبحث عن الإنسان في تناقضاته، لا في صورته المثالية. لم يكن أبطاله ملائكة ولا شياطين. كانوا بشرًا، وهذا هو سر بقائهم.
واللافت أن علاقة محفوظ بمصر القديمة كانت أعمق مما يبدو. بدأ مشروعه الأدبي بالكتابة عن مصر الفرعونية، ثم انتقل إلى القاهرة الحديثة، لكنه لم يغادر الماضي تمامًا. ظل الزمن المصري حاضرًا في رؤيته للإنسان وفي أسئلته عن السلطة والخلود والمصير.
كأن محفوظ اكتشف مبكرًا أن الزمن المصري ليس خطوطًا منفصلة، بل طبقات فوق بعضها.
المصري القديم كان يبحث عن الخلود، ومحفوظ كان يبحث عن الإنسان الذي يريد أن يبقى. المصري القديم كتب على الحجر والبردي لكي يقاوم النسيان، ومحفوظ كتب على الورق للغرض نفسه. الأول حفظ الجسد، والثاني حفظ الذاكرة. كلاهما كان يعرف، بطريقة مختلفة، أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يُمحى من الزمن.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا أصبحت القاهرة المحفوظية أثرًا من نوع خاص. المدينة الحقيقية تتغير، لكن المدينة التي تدخل الأدب تستطيع أن تقاوم التغيير. تختفي بعض البيوت، وتتبدل الشوارع، وتتغير الوجوه، لكن القاهرة التي تركها محفوظ تظل موجودة في الذاكرة.
وهذه هي قوة الأدب.
أن يحول المكان إلى ذاكرة، والذاكرة إلى إنسان، والإنسان إلى حكاية لا تموت.
بعد عشرين عامًا من رحيله لا أظن أن السؤال الحقيقي هو: هل ما زال نجيب محفوظ حاضرًا؟
السؤال الأهم هو: ماذا نريد أن نفعل بهذا الحضور؟
هل نكتفي بالاحتفال باسمه، وإعادة نشر صوره، وتكرار أنه أديب نوبل؟
أم نعيد قراءة الأسئلة التي تركها لنا؟
فالاحتفال بمحفوظ لا ينبغي أن يكون احتفالًا برجل مات، وإنما احتفالًا بأدب ما زال قادرًا على إزعاجنا، وعلى جعلنا نعيد النظر في أنفسنا وفي مدينتنا وفي علاقتنا بالسلطة والدين والحب والحرية والمجتمع.
أجمل تكريم لمحفوظ في رأيي ليس معرضًا ولا مؤتمرًا ولا تمثالًا.
أجمل تكريم له أن يفتح شاب رواية من رواياته لأول مرة، فيجد فيها شيئًا من نفسه.
أن يكتشف قارئ عربي في القاهرة أو بغداد أو الرباط أو بيروت أن الحارة التي كتبها محفوظ ليست بعيدة عنه.
أن يكتشف قارئ بعيد عن مصر أن رجلًا مصريًا عاش معظم حياته في مدينة واحدة استطاع أن يتحدث إليه عن خوفه وحبه ووحدته وأحلامه.
هذه هي العالمية الحقيقية.
أن تنطلق من مكان محدد جدًا، ثم تصل إلى الإنسان في كل مكان.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي يتركه نجيب محفوظ بعد عشرين عامًا من رحيله. لا يحتاج الكاتب إلى أن يهرب من جذوره لكي يصبح عالميًا. أحيانًا تكون الطريق إلى العالم هي العودة إلى البيت.
محفوظ عاد إلى القاهرة مرارًا، حتى أصبحت القاهرة هي الأخرى تعود إلينا كلما قرأناه.
ولهذا لم يمت محفوظ تمامًا.
مات الرجل في 2006، لكن القاهرة التي كتبها لم تمت.
والإنسان الذي اكتشفه في حواريها وبيوتها ومقاهيها لم يمت.
والأسئلة التي حملها إلى العالم لم تمت.
وما دام الإنسان ما زال يبحث عن الحرية والعدل والحب والمعنى والكرامة، فسيظل هناك مكان لنجيب محفوظ.
بعد عشرين عامًا لا أقف أمام غياب نجيب محفوظ.
أقف أمام حضوره.
وأشعر أن الرجل الذي كتب عن القاهرة طوال حياته استطاع في النهاية أن يجعل القاهرة تكتب عنه.
وهكذا أصبح محفوظ هو المدينة، وأصبحت المدينة ذاكرة، وأصبحت الذاكرة أدبًا، وأصبح الأدب إنسانًا.
وهذا هو سر أن بعض الكتاب لا يغيبون.
إنهم لا يسكنون المقابر.
يسكنون فينا.


تعليقات