إن للأشياء في النفوس صدىً يعكس ما تحمله وما يسكن فيها؛ فالجمال ينبع من القلب يبحث عنه صاحبه في كل ما يحيط به: في البساتين، وفي القوام البديع، وفي أناقة المظهر، وفي الفن والإبداع. إنه كمن يبحث عن الارتواء، غير أن الارتواء الكامل لا سبيل إليه؛ فما إن يظن أنه بلغ غايته حتى يعاوده الظمأ، فيواصل رحلته بين زوايا الطبيعة وخفاياها, في رحلة لا تنتهي إلا بمفارقة الروح للجسد.
وكل نفس تطلب الجمال على قدر ما فيها، كما تختلف المقادير وتتنوع الطبائع. فمن الناس من لا يرى الجمال إلا في متاع المعدة وامتلاء البطون، فتستغرقه ألوان الطعام وأصنافه وطعومه. ومنهم من ينشده في شهوة حسية, لا يكبح جماحها، فلا يبصر من الجمال إلا ما يشبع غريزته. أما آخرون، فتتعلق أرواحهم بالزهرة، وبالفن، وبالموسيقى، وبكل ما يوقظ في النفس نشوة الحب وصفاء الشعور. فإذا وقع بصرهم على الجمال الماثل أمامهم، جذبهم إليه حتى يسموا معه إلى آفاق أرحب، فيسبحون في رحابه، ويغيبون عن ضجيج الواقع، ويلامسون بشغاف أرواحهم سرَّ الجمال.
وفي الربيع تستقبل الجموع رياضه ونسائمه وأزهاره، ولكنها لا تستقبله جميعًا بالروح نفسها. فمنهم من يخرج إليه وقد أعد زاده من ألوان الطعام، يملأ الموائد بأطيب المآكل، أو بما اعتاد الناس حمله في مواسم الربيع من الرنجة والبيض الملون والبصل، حتى تختلط روائح الطعام بأريج الأزهار، فيطغى على عبقها وشذاها. وحينئذٍ يغدو الربيع مجرد مناسبة لامتلاء البطون، فتغيب العقول، وتخبو الأرواح، ويستولي نعاس التخمة على النفوس، فلا يبقى من الربيع إلا أطلال منظر لم يُدركوا جماله.
أما الفئة الأخرى، فإنها تخرج إلى الربيع بزاد من الروح، والأمل، والخير. ترى الطبيعة وقد ارتدت أجمل حللها، واكتست بأبهى ألوانها، ونثرت أريجها في الأرجاء، فتوقظ في النفس ما أثقلته الأيام، وتبعث فيها حياة جديدة بعد ما أنهكها السعي وراء مطالب الجسد. ويصبح الربيع فرصة لغسل ما علق بالروح من غبار الشقاء، واستعادة صفائها الذي غطته مشاغل الحياة.
حين تهب أيامه، تمنحنا الطبيعة جمالها في كل شيء؛ ففي الحركة جمال، وفي الألوان جمال، وفي الأشكال جمال. وهناك، ندرك حاجتنا إلى أن ننظر إلى أنفسنا مجردة من أعبائها، وأن نروي أرواحنا كما نروي أجسادنا، فقد أطعمنا البطون طوال العام، أما الروح فكثيرًا ما تركناها جائعة.
فمن أين يأتي الربيع؟ أمن الطبيعة التي لا تحيد عن قوانينها، أم من النفوس التي تختلف في استقبالها له؟ أيأتي إلى الجائع الذي لا يرى إلا طعام الجسد، أم إلى الجائع الذي يبحث عن غذاء الروح؟
إن الجمال قائم بين أيدينا، لا يغيب ولا يتبدل، وإنما تختلف نظرتنا إليه؛ لأننا لا نراه بأعيننا وحدها، بل نراه بعيون نفوسنا وطوايانا، وهي التي ترشدنا دائمًا إلى ما تحب وتهوى.


تعليقات