أعاد هيكل عظمي عُثر عليه أسفل كنيسة في مدينة ماستريخت الهولندية فتح واحد من الألغاز التاريخية المرتبطة بشخصية دارتانيان الحقيقية، الجندي الفرنسي الذي استلهم منه الكاتب ألكسندر دوما أحد أشهر أبطال روايته “الفرسان الثلاثة”، وذلك بعد نحو 30 عامًا من محاولات البحث عن مكان دفنه.
وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن الجدل حول الهيكل العظمي المكتشف لا يزال مستمرًا، إذ لم تتمكن الفحوص التي أجريت حتى الآن من إثبات أنه يعود إلى شارل دي باتز دي كاستلمور، المعروف باسم دارتانيان، فيما تواصل الجهات المعنية في ماستريخت إجراء دراسات وتحاليل، بينها اختبارات للحمض النووي، في محاولة للوصول إلى نتيجة أكثر حسمًا.
من هو دارتانيان الحقيقي؟
ارتبط اسم دارتانيان عالميًا برواية «الفرسان الثلاثة» لألكسندر دوما، لكن الشخصية الأدبية استندت إلى رجل حقيقي عاش في فرنسا خلال القرن السابع عشر، هو شارل دي باتز دي كاستلمور دارتانيان.
ولد دارتانيان في منطقة جاسكونيا الفرنسية، والتحق بالخدمة العسكرية، قبل أن يصبح واحدًا من رجال الملك لويس الرابع عشر، ويحقق مكانة بارزة بين أفراد الحرس والفرسان الفرنسيين.
وقُتل دارتانيان في 25 يونيو عام 1673 خلال حصار مدينة ماستريخت في الحرب الفرنسية الهولندية، لكن مكان دفنه ظل غير معروف، وهو ما فتح الباب أمام عدد من النظريات التي حاولت على مدار السنوات تحديد الموقع الذي نُقل إليه جثمانه بعد مقتله.
واكتسب دارتانيان شهرته الأدبية بعد وفاته بسنوات طويلة، حين ظهرت كتابات تناولت حياته ومغامراته، قبل أن يستخدم ألكسندر دوما الشخصية في رواية «الفرسان الثلاثة» التي صدرت عام 1844، ليصبح اسمه منذ ذلك الوقت جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية.
30 عامًا من البحث عن قبر دارتانيان
يرتبط أحدث فصول البحث عن قبر دارتانيان بعالم الآثار الهولندي فيم ديجكمان، الذي أمضى قرابة ثلاثة عقود في تتبع الأدلة المتعلقة بالمكان المحتمل لدفن الجندي الفرنسي.
ومن بين الفرضيات التي اكتسبت أهمية خلال سنوات البحث احتمال دفنه داخل كنيسة القديسين بطرس وبولس في منطقة وولدر بمدينة ماستريخت.
واعتمد أصحاب هذه النظرية على عدد من المعطيات التاريخية، من بينها قرب الكنيسة من المناطق التي شهدت العمليات العسكرية وقت مقتل دارتانيان، فضلًا عن الاعتقاد بأن ضابطًا بمكانته كان من الممكن أن يدفن في أرض مقدسة بعد مقتله في المعركة.
وظلت الفرضية محل دراسة لسنوات، إلى أن أعادت أعمال جرت داخل الكنيسة خلال العام الجاري القضية إلى الواجهة من جديد.
هيكل أسفل أرضية الكنيسة
خلال أعمال داخل الكنيسة ظهر قبر أسفل أرضيتها، وعُثر بداخله على هيكل عظمي، وهو الاكتشاف الذي أثار اهتمام الباحثين بسبب موقعه والحقبة التاريخية التي يُعتقد أن الدفن يعود إليها.
وأصبح الهيكل سريعًا محور اهتمام إعلامي واسع، بعدما أثير احتمال أن يكون صاحبه دارتانيان نفسه، خاصة أن مكان العثور عليه يتوافق مع إحدى النظريات التي طُرحت سابقًا بشأن الموقع المحتمل لدفنه.
كما عُثر في محيط القبر على قطعة نقدية تعود إلى القرن السابع عشر، وهو ما دعم في البداية فرضية أن الدفن حدث في الفترة التي عاش فيها دارتانيان.
وظهرت كذلك قطعة معدنية اعتقد الباحثون في البداية أنها ربما تكون مرتبطة بطلقة نارية، وهو الأمر الذي بدا لافتًا بالنظر إلى الروايات التاريخية التي تشير إلى مقتل دارتانيان بطلق ناري خلال معركة ماستريخت، لكن الفحوص التالية جعلت الصورة أكثر تعقيدًا.
هل كانت القطعة المعدنية رصاصة؟
أظهرت دراسات لاحقة أن القطعة المعدنية التي أثارت الاهتمام في بداية الأمر قد لا تكون جزءًا من طلقة بندقية، وإنما يُرجح أن تكون جزءًا من مسمار حديدي.
وأدى ذلك إلى إضعاف واحدة من القرائن التي استند إليها الربط الأول بين الهيكل ودارتانيان.
كما أجريت تحاليل أخرى على الرفات بهدف التعرف على حياة صاحب الهيكل وأصوله ونظامه الغذائي، لكن النتائج لم تقدم حتى الآن دليلًا قاطعًا يمكن من خلاله تحديد هويته.
وأعلنت السلطات في ماستريخت خلال يوليو 2026 أن المعلومات المتاحة لا تسمح بإثبات أن العظام المكتشفة تعود إلى دارتانيان، وفي الوقت نفسه لم تغلق الباب نهائيًا أمام هذه الفرضية.
تحليل الحمض النووي قد يحسم اللغز
ويظل تحليل الحمض النووي من أهم الوسائل التي يعول عليها الباحثون للوصول إلى نتيجة نهائية بشأن هوية صاحب الهيكل.
ويحاول الباحثون مقارنة عينات مأخوذة من الرفات بعينات لأشخاص يمكن إثبات ارتباطهم بعائلة دارتانيان، وهي عملية معقدة بسبب مرور أكثر من ثلاثة قرون على وفاة الجندي الفرنسي، فضلًا عن ضرورة التأكد من سلسلة النسب قبل الاعتماد على أي مقارنة جينية.
ومن المنتظر أن تساعد التحاليل الجديدة في تحديد مدى إمكانية الربط بين الهيكل المكتشف والشخصية التاريخية، غير أن الباحثين لم يعلنوا حتى الآن نتيجة نهائية تثبت هذا الارتباط.
خلاف حول طريقة التنقيب
ولم يقتصر الجدل على هوية الهيكل، إذ شهدت القضية خلافًا يتعلق بالطريقة التي جرت بها أعمال البحث والتنقيب.
فبعد أن تصدر عالم الآثار فيم ديجكمان المشهد عقب الإعلان عن الاكتشاف، واجه تساؤلات من السلطات بشأن إجراءات التنقيب والتعامل مع الرفات، وتحولت القضية إلى خلاف بين الباحث والجهات المحلية المسؤولة عن الآثار.
وتولت سلطات ماستريخت لاحقًا متابعة التحقيقات والدراسات المتعلقة بالهيكل، مع إشراك متخصصين في مجالات الآثار والأنثروبولوجيا والوراثة من أجل الوصول إلى نتائج أكثر دقة.


تعليقات