في خطوة علمية قد تغير طريقة تصنيع لقاحات الأنفلونزا مستقبلًا، طور باحثون تقنية جديدة تستخدم خميرة الخبز لإنتاج لقاح يستهدف جزءًا أكثر ثباتًا من فيروس الأنفلونزا، في محاولة للحصول على حماية أوسع وأطول من اللقاحات التقليدية التي تحتاج إلى تحديث مستمر مع تغير سلالات الفيروس.
ووفقًا لما أعلنته الجمعية الكيميائية الأمريكية ACS في أغسطس 2026، تمكن باحثون من جامعة ميشيجان الأمريكية من استخدام خميرة الخبز المعروفة علميًا باسم Saccharomyces cerevisiae لإنتاج جسيمات شبيهة بالفيروس تحمل بروتينًا من فيروس الأنفلونزا، مع استهداف بروتين M2 الذي يتغير بدرجة أقل من بروتين الهيماغلوتينين HA الذي تستهدفه كثير من اللقاحات الحالية.
لماذا يحتاج لقاح الأنفلونزا إلى التغيير كل عام؟
يرجع السبب الأساسي إلى قدرة فيروس الأنفلونزا على تغيير بروتيناته السطحية باستمرار، وهو ما يجعل اللقاح المصمم ضد سلالة معينة أقل قدرة على مواجهة سلالات أخرى مع مرور الوقت.
وأوضحت الجمعية الكيميائية الأمريكية ACS أن معظم لقاحات الأنفلونزا تستهدف بروتين HA، وهو بروتين مهم في قدرة الفيروس على دخول الخلايا، لكنه يتعرض لطفرات متكررة، ولذلك تحتاج تركيبة اللقاحات إلى المراجعة والتحديث بصورة دورية.
أما التقنية الجديدة فتحاول استهداف بروتين M2، الذي يتميز بقدر أكبر من الثبات مقارنة بـHA.
ما علاقة خميرة الخبز باللقاح؟
خميرة الخبز ليست اللقاح في حد ذاتها، وإنما يستخدمها الباحثون كـمنصة لإنتاج المكونات التي يحتاجها اللقاح.ووفقًا لما ذكرته ACS، جرى تعديل الخميرة معمليًا بحيث تستطيع إنتاج جسيمات شبيهة بفيروس الأنفلونزا، لكنها لا تحتوي على مادة وراثية فيروسية معدية.
وهذا يعني أن الجسيمات المستخدمة في التقنية لا تستطيع التسبب في الإصابة بالأنفلونزا، لكنها تحمل مكونات يمكن للجهاز المناعي التعرف عليها وتكوين استجابة مناعية ضدها.
لماذا اختار الباحثون بروتين M2؟
يركز اللقاح التجريبي على بروتين M2 لأن هذا البروتين أكثر محافظة وأقل تعرضًا للتغير مقارنة ببروتينات سطحية أخرى للفيروس.
وأوضحت ACS أن بروتين M2 ظل محافظًا على قدر كبير من تسلسله عبر سلالات مختلفة من فيروسات الأنفلونزا A، بما في ذلك سلالات بشرية وخنزيرية وطيور، وهو ما جعله هدفًا جذابًا للباحثين الذين يبحثون عن لقاح أوسع نطاقًا.
لكن استهداف بروتين أكثر ثباتًا لا يعني تلقائيًا أن اللقاح سيمنح حماية كاملة ضد جميع أنواع الأنفلونزا.
ماذا حدث في التجارب؟
حتى الآن، النتائج المنشورة تتعلق بشكل أساسي بتجارب على الفئران.
ووفقًا للبيانات التي عرضتها ACS، أدت تقنية اللقاح المصنوع باستخدام خميرة الخبز إلى تحفيز استجابة مناعية لدى الفئران، ووفرت حماية ضد ثلاث سلالات مختلفة من فيروس الإنفلونزا في التجارب الحيوانية.وتعد هذه النتيجة مشجعة، لأنها تشير إلى إمكانية الحصول على استجابة مناعية لا تعتمد بالكامل على مطابقة سلالة واحدة من الفيروس.
هل يمكن أن يغني عن تطعيم الأنفلونزا كل عام؟
ليس بعد.رغم أن الباحثين يأملون في أن تؤدي التقنية مستقبلًا إلى تطوير لقاح يوفر حماية أطول وأكثر اتساعًا، فإن التجارب الحالية لا تزال قبل سريرية.وأكدت ACS أن النتائج المتاحة حتى الآن جاءت من نماذج حيوانية، وأن التقنية تحتاج إلى دراسات إضافية قبل اختبارها على البشر.
لذلك لا يمكن حاليًا اعتبارها بديلًا عن لقاحات الأنفلونزا المعتمدة أو التوصيات الطبية الخاصة بالتطعيم السنوي.
هل استخدام الخميرة يجعل تصنيع اللقاح أسرع؟
هذه إحدى النقاط التي يراهن عليها الباحثون.
أشارت ACS إلى أن تصنيع لقاحات الأنفلونزا باستخدام البيض ظل لسنوات طويلة الطريقة الأساسية للإنتاج، لكنه يحتاج إلى وقت ويمكن أن يمثل تحديًا عندما تظهر سلالات جديدة بسرعة.
أما استخدام خميرة الخبز كمنصة لإنتاج مكونات اللقاح فيمكن أن يوفر، من الناحية النظرية، طريقة أسرع وأكثر قابلية للتوسع في التصنيع.
لكن إثبات أن هذه الطريقة ستكون أسرع وأرخص بالفعل عند إنتاج لقاحات بشرية على نطاق واسع يحتاج إلى مزيد من الاختبارات.
هل توجد أبحاث سابقة على لقاحات الأنفلونزا باستخدام الخميرة؟
نعم، فكرة استخدام الخميرة في تطوير لقاحات الأنفلونزا ليست جديدة تمامًا.
فقد أظهرت دراسة منشورة في Journal of Immunology Research أن استخدام خميرة تحمل بروتينًا من فيروس H5N1 أدى إلى تحفيز استجابة مناعية وحماية الفئران من عدوى قاتلة في التجارب الحيوانية.
كما أظهرت دراسة أخرى منشورة في Virology أن إنتاج جزء أكثر ثباتًا من بروتين الهيماغلوتينين باستخدام خميرة Pichia pastoris أدى إلى تكوين أجسام مضادة واستجابات مناعية ضد أكثر من سلالة في تجارب الفئران.
ماذا يعني ذلك للإنسان؟
إذا نجحت التقنية في المراحل المستقبلية، فقد تفتح الباب أمام تطوير لقاحات إنفلونزا أوسع نطاقًا وأقل اعتمادًا على التغيرات السنوية في السلالات.
لكن الطريق من نجاح التجارب على الفئران إلى لقاح متاح للإنسان طويل، ويتطلب التأكد من سلامة اللقاح وفعاليته من خلال مراحل متتابعة من التجارب السريرية.
خميرة الخبز قد تتحول مستقبلًا إلى أداة لصناعة جيل جديد من لقاحات الإنفلونزا، بعدما تمكن الباحثون من استخدامها لإنتاج جسيمات شبيهة بالفيروس تستهدف بروتينًا أكثر ثباتًا من البروتينات التي تتغير سريعًا.
وأظهرت التجارب على الفئران حماية ضد عدة سلالات من الإنفلونزا، لكن اللقاح لم يدخل بعد مرحلة التجارب البشرية، ولذلك لا يمكن اعتباره حاليًا بديلًا عن لقاح الإنفلونزا الموسمي.


تعليقات