فنان الشعب – الوطن
نعرف في مصر، ربما أكثر من شعوب أخرى كثيرة قيمة الفن والفنان، قامت الحضارة المصرية القديمة على الفن أكثر ما قامت على عوامل أخرى، تمتلئ المعابد بالرسومات التي تحكي رواية أعظم الحضارات في جداريات لا مثيل لها في أي دولة في العالم على امتداد وجانبي نهر النيل الخالد، وفي الزمن المعاصر تعمق إحساس الناس بالفنون بصفة عامة، خاصة بعدما انتشر الغناء المذاع وانتشرت دور السينما والمسارح، ساهمت الفنو في الارتقاء بالذوق العام للمواطن، وأضاف المصريون لمساتهم للفنون فألصقوا ألقابا بكبار الفنانين، خاصة المطربين والممثلين.
لدينا أعظم مطربة عربية أم كلثوم وهي كوكب الشرق ، لدينا يوسف وهبي المسرحي العظيم ، فنان الشعب ، لدينا العندليب الشاب عبد الحليم حافظ ، ملك العود فريد ، موسيقار الأجيال عبد الوهاب ، سيدة الشاشة العربية ، فاتن ، السندريلا ، سعاد . على رأس الأدباء ، العميد طه حسين ، أستاذ الجيل ، لطفي السيد ، أديب نوبل ، محفوظ ، رائد القصة القصيرة ، إدريس ، العملاق ، العقاد ، باعث النهضة المسرحية ، الحكيم ، صاحب القنديل ، يحيى حقي ، لدينا مختار صاحب تمثال النهضة ، وغيرهم آخرين كثيرين ، دليل على خصوبة الساحة المصرية في مجال الفنون ما يعني إرثا حضاريا كبيرا متجذرا في التاريخ ، لأن الفنون لا توجد بالضغط على الأزرار مثل الاختراعات وغيرها ، هي تراكم جيولوجي على مر عصور وقرون .
البشر في حاجة إلى الفنون بأنواعها ، آداب ، موسيقى ، تشكيلية ، فهي تجعل الإنسان قادر على الاستمتاع بالحياة وتذوق أجمل ما فيها ، تجعله يتطلع للأفضل مغرقا في الأمل بوجدان محب لكل مظاهر الجمال . ولطالما كانت الفنون قوة دافعة للمجتمع والتاريخ ، لذلك خلدها التاريخ وخلدته ، وصنعا الحضارات . والشعوب والأمم تعتز بفنانيها ، بريطانيا تعتز بشكسبير وديكنز وبيرون وغيرهم ، فرنسا لديها فولتير وموليير وبلزاك وهوجو وديماس وغيرهم من الفلاسفة والأدباء . روسيا تحفل بفنانين كبار ، دوستوفسكي وتولستوي وتشيطوف وجوجول وبوشكين ، وتحتفي بكورساكوف وتشايكوفسكي . تعتز ألمانيا بكانط وجوتة وهيجل ونيتشة وماركس كما تعتز بالموسيقار العبقري بيتهوفن وغيرهم من كبارات الفن والأدب .
منذ أشعل الإنسان الأول نارا في كهفه ، وجلس في ضوئها يرسم حصانا أو غزالا على جدار أصم ، بدأ من وهو لا يدري ، واحدة من أعظم مغامرات البشرية . لم يكن ذلك الرسم ترفا أو تسلية ، ولا محاولة مبكرة لتزيين الجدار ، كان إعلانا عن ميلاد الإنسان الذي لا يكتفي بأن يعيش ، إنما يريد أن يمنح حياته معنى ، وأن يترك أثرا يتجاوز عمره .
صارت الحضارة أعمق وأكثر تأصيلا ، حين اكتشف الإنسان أن بإمكانه أن يحول تجربته إلى صورة ، صوته إلى لحن ، أفكاره إلى كلمات ، وأحلامه ومخاوفه إلى حكايات . لهذا لم تكن الفنون هامشا من هوامش التاريخ ، كانت الطريقة التي عرف بها الإنسان نفسه ، وعرف بها الآخرين والعالم من حوله . إذا كانت العلوم ساعدته على اكتشاف قوانين الكون والسيطرة على بعض مظاهره ، فإن الفن ساعده على اكتشاف عالمه الداخلي ، العالم الذي لا تكفي المعادلات وحدها لفهمه .
إن لوحة عظيمة واحدة ، تجبرنا على الوقوف أماها طويلا . قصيدة صادقة تجبرنا على التذكر والحفظ والترديد . مسرحية عظيمة تجعلنا نرى أنفسنا في شخوصها . وموسيقى عميقة قد تقول ما عجزنا سنوات عن التعبير عنه بالكلمات .
الفن ليس مجرد صناعة للجمال ، وإن كان الجمال أحد أعظم تجلياته . إنه وسيلة لإعادة تشكيل وعينا . يجعلنا نرى الأشياء التي اعتدنا عليها كما لو أننا نراها للمرة الأولى . في عالم تزداد فيه قدرة الآلات على إنتاج الصور والألحان والنصوص ، ستصبح قيمة الفن الإنساني مرتبطة أكثر فأكثر بما لا تستطيع الآلة أن تمنحه وحدها ، التجربة ، الذاكرة ، القلق ، الحب ، الخسارة ، الحنين ، الاختيار الأخلاقي ، ذلك الارتجاف الداخلي الذي يجعل العمل الفني شهادة على حياة إنسان حقيقي . فهل القصيدة أكثر فائدة من الموسيقى ؟ هل المسرح أكثر أهمية من الرسم ؟ هل السينما أكثر قدرة على تغيير الإنسان من الرواية ؟ إن الفنون تتكامل مثل أعضاء الجسد الواحد . الأدب يمنحنا اللغة التي نفكر بها ، الموسيقى تمنحنا الإحساس الذي لا تستطيع اللغة احتواءه ، التشكيل يمنح العين قدرة على التفكير بالصورة ، المسرح يجعل الإنسان يرى الإنسان أمامه حيا ، والسينما تجمع الصورة والصوت والحركة والحكاية في تجربة واحدة .
لكن الفن الأكثر فائدة للإنسان هو الفن الذي يعمق إنسانيته . قد يكون عملا أدبيا أو لوحة أو أغنية أو فيلما . قيمة الفن لا تقيم بعدد من شاهدوه ، ولا بحجم الأموال التي حققها ، ولا بقدرته على إبهار العين . أعظم معيار للفن قدرته على تغيير الإنسان من الداخل . المجتمع يحتاج اليوم إلى الفنان الذي لا ينفصل عنه ولا عن عصره ، ولا يتحول في الوقت نفسه إلى أسير له . يحتاج المجتمع إلى الفنان الذي يرى ما لا يراه الآخرون ، يشعر بما لا يستطيع الآخرون التعبير عنه ، ويجد اللغة التي تجعل تجربته الفردية تجربة مشتركة . الفنان الحقيقي لا يكون مرآة للمجتمع فحسب ، بل نافذته التي تمنحه الفرصة للنظر إلى المستقبل .
كان شكسبير أكثر من كونه كاتب مسرح ، مسرحه كشف الإنسان في ضعفه وطموحه وغيرته وحبه وخوفه من السلطة والموت . كان مايكل أنجلو أكثر من نحات ورسام ، جعل الحجر يبدو كأنه يحمل روحا تنتظر أن تتحرر . كان ليوناردو دا فينشي نموذجا نادرا للإنسان الذي تجاوز الحدود بين الفن والعلم ، كانت العين التي ترسم هي نفسها العين التي تراقب الطبيعة وتبحث في أسرار الجسد والماء والضوء .
فنان الشعب أو الفنان الحقيقي ، الذي يقول للإنسان البسيط ، أنا أراك . أيرى الفقراء دون أن يحولهم إلى مادة للاستعراض . يرى المهمشين دون أن يتاجر بآلامهم . يرى العامل والفلاح والجندي والأم والطفل والعاشق والعجوز والمهاجر والغريب ، لا باعتبارهم شخصيات ثانوية في قصة العالم ، إنما باعتبارهم أبطالا أصليين في القصة .
فنان الشعب لا يتحدث إلى الناس من فوق منصة مرتفعة ، يمشي بينهم ، لا يحتقر بساطتهم . يقدم أعمالا شديدة العمق ، لكنها تجد طريقها إلى قلب الإنسان العادي . والأهم أنه لا يخدع جمهوره .
في عالم تزداد فيه سرعة كل الأشياء ، الفنان العظيم من يمنحنا لحظة نتوقف فيها مفكرين متأملين مدركين موضع خطواتنا ومستقبلنا .


تعليقات