قد يبدو غياب الطفل عن المدرسة في ظاهره، مجرد إهمال أو رفض للتعليم، لكن الكاتب الأمريكي ريكس أوجل يطرح سؤالًا مختلفًا في روايته الجديدة “Absent” وهو ماذا لو كان الطفل الغائب يواجه ظروفًا تمنعه من الذهاب، بينما لا يعرف أحد ما يحدث خارج أسوار المدرسة؟
تتناول الرواية، الموجهة إلى طلاب المرحلة المتوسطة، حكاية ثلاثة أطفال يعيشون تحت خط الفقر، ويغيبون عن المدرسة لأسباب مختلفة، قبل أن تجمعهم غرفة الاحتجاز. ومن خلال قصصهم، يحاول “أوجل” إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع الغياب المدرسي، خصوصًا عندما يكون الطفل نفسه عاجزًا عن شرح ما يواجهه.
المعلم لا يعرف ما يحدث في المنزل
يستند “أوجل” في الرواية إلى تجربة عاشها بنفسه عندما كان طالبًا في الصف السادس عام 1990، حيث كان يغيب عن المدرسة لأنه يضطر إلى البقاء في المنزل لرعاية شقيقه الأصغر، بينما كان والداه يبحثان عن عمل.
لكن المدرسة لم تكن تعرف هذه التفاصيل، كان الغياب والسلوك الغاضب يُنظر إليهما باعتبارهما مشكلة انضباطية، بينما كان الطفل يواجه في المنزل ظروفًا تفوق قدرته على التعامل معها.
يستعيد أوجل تلك الفترة ليقول إن أكثر ما كان يؤلمه لم يكن الفقر وحده، وإنما شعوره بالخجل منه، وعدم امتلاكه في ذلك العمر القدرة على شرح ما يحدث له.
الغياب المدرسي لم ينتهِ بعد الجائحة
تتجاوز الرواية تجربة الكاتب الشخصية، لتلامس مشكلة لا تزال حاضرة في المدارس، فبحسب بيانات أوردتها صحيفة “نيويورك تايمز”، ارتفع الغياب المدرسي المزمن في الولايات المتحدة خلال العام الدراسي 2023-2024 بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا.
وتظهر المشكلة في مختلف المناطق والشرائح الاجتماعية، لكنها أكثر حدة بين الطلاب من الأسر منخفضة الدخل، الذين يواجهون ظروفًا اقتصادية وأسرية قد تجعل الانتظام في المدرسة أكثر صعوبة.
ولا يقتصر أثر الغياب على الطالب، إذ تعتمد بعض المناطق التعليمية في الولايات المتحدة جزئيًا على معدلات الحضور في تمويل المدارس، ما يعني أن انخفاض الحضور قد يؤدي أيضًا إلى تراجع الموارد المتاحة للمدرسة والطلاب الذين يحتاجون إلى الدعم.
ثلاثة أطفال.. وثلاثة أسباب للغياب
تجمع “Absent” ثلاثة صبيان يلتقون بعد غيابهم عن المدرسة، لكن لكل واحد منهم ظروفه الخاصة وحلمه الذي يحاول الحفاظ عليه.
يحلم ليام بأن يصبح طبيبًا، ويوثق حياته في دفتر يكتب فيه النثر. أما كالفين فيطمح إلى أن يصبح فنانًا، فيحول تفاصيل حياته إلى رسوم وقصص مصورة. بينما يحلم ماني بأن يصبح كاتب أغنيات، ويستخدم الكلمات للتعبير عن غضبه.
ولا يقدم أوجل هؤلاء الأطفال باعتبارهم طلابًا مهملين، وإنما كأشخاص يحاولون التمسك بأحلامهم رغم ظروفهم.
لماذا كتب أوجل الرواية؟
جاءت فكرة “Absent” بعد زيارات متعددة للكاتب إلى المدارس، تحدث خلالها مع معلمين وأمناء مكتبات عن الصعوبات التي يواجهونها مع ارتفاع معدلات الغياب.
وخلال ثلاثة أيام من هذه اللقاءات، عاد أوجل إلى الفندق وكتب الخطوط العريضة للرواية.
كانت تجارب الطلاب التي سمع عنها قريبة بصورة لافتة مما عاشه هو قبل أكثر من ثلاثة عقود، وهو ما دفعه إلى تحويل تجربته الشخصية إلى قصة يمكن أن يجد فيها أطفال آخرون أنفسهم.
لا تلوم طفلاً
تكمن الفكرة الأساسية للرواية في أن الغياب لا يخبرنا دائمًا بما يكفي عن الطفل، فقد يغيب الطالب لأنه لا يهتم بالمدرسة، لكن قد يغيب أيضًا لأنه يتحمل مسؤولية داخل أسرته، أو يعيش أزمة مالية، أو يواجه ظروفًا لا يعرف كيف يشرحها لمعلميه.
ومن هنا يحاول أوجل نقل النقاش من سؤال “لماذا لا يحضر الطفل؟” إلى سؤال آخر أكثر أهمية: “ماذا يحدث لهذا الطفل عندما لا يكون في المدرسة؟”
رسالة تتجاوز الغياب
يقول أوجل إن جزءًا كبيرًا من طفولته مر وهو يشعر بالخجل من ظروف أسرته، رغم أنه لم يكن مسؤولًا عنها. وكان يتمنى لو أخبره أحد وقتها بأن ما يحدث في المنزل ليس خطأه، وأن الظروف التي يعيشها لا تحدد مستقبله.
ولهذا يأمل أن تمنح الرواية الأطفال الذين يواجهون ظروفًا مشابهة فرصة لفهم أنفسهم بصورة مختلفة، وألا ينظروا إلى المشكلات التي يعيشونها باعتبارها دليلًا على فشلهم.
فـ”Absent” لا تتحدث فقط عن أطفال لا يذهبون إلى المدرسة، وإنما عن أسباب قد تجعل الطفل يغيب، وعن الفرق بين معاقبته على الغياب ومحاولة فهم السبب الذي يقف وراءه.


تعليقات