نقيب الأطباء: نحتاج لتغليظ عقوبات انتحال الصفة وممارسة الطب دون ترخيص
نقيب الأطباء: نحتاج لتغليظ عقوبات انتحال الصفة وممارسة الطب دون ترخيص
حذر الدكتور أسامة عبدالحي، نقيب الأطباء، من خطورة تزايد محاولات انتحال صفة الطبيب وممارسة الطب دون ترخيص، مؤكداً أن الظاهرة لم تعد تقتصر على شخص يرتدي البالطو الأبيض أو يعلق شهادة مزورة على جدران عيادته، وإنما تطورت لتستفيد من مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة صورة مهنية زائفة والوصول مباشرة إلى المرضى.
وأضاف «عبدالحي»، لـ«الوطن»، أن الشهرة وعدد المتابعين لا يمكن أن يكونا معياراً لكفاءة الطبيب أو دليلاً على أحقيته في ممارسة المهنة، مشدداً على أن المريض يجب أن يتحقق من قيد الطبيب وتخصصه وترخيص المنشأة قبل الحصول على أي خدمة طبية، لافتاً إلى أن النقابة تعمل على مواجهة المحتوى الطبي المضلل الذي يهدد صحة المواطنين، وإلى نص الحوار:
■ كيف ترى ظاهرة انتحال صفة الأطباء؟ وهل أصبحت أكثر انتشاراً؟
انتحال صفة الطبيب من الظواهر الخطيرة التي تمس سلامة المواطنين بصورة مباشرة، لأن الشخص الذي ينتحل صفة الطبيب لا يقدم مجرد خدمة غير قانونية، وإنما يتعامل مع صحة الإنسان وحياته دون أن يكون مؤهلاً لذلك. والنقابة تتعامل مع أي واقعة يتم إبلاغها بجدية، وتتحرك في حدود اختصاصها بالتنسيق مع الجهات المعنية.
والخطورة في الفترة الأخيرة أن أساليب انتحال الصفة لم تعد تقليدية، فلم يعد الأمر مقتصراً على شخص يفتح عيادة ويضع لافتة باسم طبيب، وإنما أصبح هناك استخدام واسع لمواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات الإلكترونية لصناعة صورة مهنية قد تبدو للمواطن حقيقية، رغم عدم وجود أساس قانوني أو مهني لها.
■ كيف يستطيع شخص غير طبيب الوصول إلى المرضى من الأساس؟
النقابة رصدت أكثر من طريقة يتبعها هؤلاء المحتالون، لكن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم البوابات التي تسمح للشخص بالوصول إلى المرضى دون المرور بالمسارات المهنية المعتادة. يستطيع الشخص أن ينشئ صفحة، ويضع صوراً بالبالطو الأبيض، ويعرض شهادات ودورات، ويقدم نفسه باعتباره متخصصاً في مجال معين، ثم يبدأ في بناء قاعدة من المتابعين.
وقد ينتقل الأمر بعد ذلك إلى استقبال المواطنين وتقديم خدمات طبية بصورة فعلية، سواء داخل منشأة أو في أماكن أخرى. وهنا يجب أن تكون الرقابة حاضرة منذ البداية، لأن اكتشاف الشخص بعد أن يكون قد تعامل مع عشرات أو مئات المرضى يعني أن الضرر ربما وقع بالفعل.
■ هل الأزمة تكمن في منتحلي الصفة فقط؟
لا، هناك أكثر من صورة للممارسة المخالفة، يجب التفرقة بين شخص ينتحل صفة الطبيب وهو ليس طبيباً، وبين طبيب مقيد بالنقابة لكنه يمارس بصورة مخالفة أو يتجاوز حدود تخصصه. الطبيب الحقيقي أيضاً ملتزم بقواعد المهنة، ولا يعني حصوله على كارنيه النقابة أن من حقه ممارسة كل تخصصات الطب دون ضوابط، ومن هنا تأتي أهمية أن يعرف المريض تخصص الطبيب الحقيقي، ودرجته المهنية، ونطاق الخدمات التي يقدمها، وألا يعتمد فقط على اللافتة الموجودة على باب العيادة أو ما يكتبه الطبيب عن نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي.
■ وماذا عن الشهادات والدورات التي يستخدمها البعض لإقناع ضحاياه بأنهم متخصصون؟
هذه نقطة مهمة للغاية، وجود شهادة لدى الشخص لا يعني بالضرورة أنها تمنحه الحق في ممارسة مهنة أو تخصص طبي، هناك فرق بين شهادة تدريبية أو دورة تعليمية وبين المؤهل الذي يسمح قانوناً بممارسة المهنة. ولهذا يجب أن يكون السؤال دائماً: ما طبيعة المؤهل؟ وما الجهة التي أصدرته؟ وهل يمنح صاحبه قانوناً الحق في ممارسة النشاط الذي يقدمه للجمهور؟ المريض في النهاية ليس متخصصاً في تقييم الشهادات، ولذلك يجب أن تكون هناك وسائل رسمية وبسيطة تمكنه من التأكد من صفة مقدم الخدمة الطبية، لذلك أتاحت نقابة الأطباء من خلال موقعها الرسمي الاستعلام عن الطبيب وتخصصه.
■ هل لديكم أرقام محددة عن بلاغات انتحال صفة الطبيب؟
هناك بلاغات ووقائع متعددة تصل إلى النقابة ويجري التعامل معها بحسب طبيعة كل حالة، لكن لا يصح إطلاق رقم إجمالي دون أن يكون مستنداً إلى إحصاء رسمي محدد بفترة زمنية واضحة، الأهم بالنسبة لنا هو تطوير آلية استقبال البلاغات وسرعة التعامل معها، ولذلك جرى طرح فكرة إنشاء منصة متخصصة لاستقبال البلاغات المتعلقة بانتحال الصفة والممارسات المخالفة، بحيث يستطيع المواطن الإبلاغ عن الحالة وتقديم المعلومات التي تساعد الجهات المختصة على التحرك.
■ ماذا يحدث عندما تكتشف النقابة شخصاً ينتحل صفة طبيب؟
منتحل صفة الطبيب ليس طبيباً مقيداً من الأساس، وبالتالي فإن الأمر لا يتعلق بمخالفة مهنية داخل النقابة فقط، وإنما بممارسة نشاط دون صفة قانونية، ولذلك يتم اتخاذ الإجراءات القانونية وإحالة الوقائع إلى النيابة العامة والجهات المختصة، أما الطبيب المقيد الذي يرتكب مخالفة مهنية أو يتجاوز حدود تخصصه، فله مسار مختلف من حيث المساءلة المهنية، ويتم التعامل مع الواقعة وفقاً للقواعد المنظمة للمهنة ومن خلال قانون المسئولية الطبية.
■ هل أصبحت السوشيال ميديا الوسيلة الأخطر للترويج للممارسات الاحتيالية؟
السوشيال ميديا أصبحت بالتأكيد واحدة من أخطر الأدوات التي يستغلها منتحلو الصفة ومقدمو المحتوى الطبي المضلل، لأنها تتيح الوصول إلى أعداد ضخمة من المواطنين في وقت قصير، ورصدت النقابة حالات لتقديم نصائح واستشارات طبية من أشخاص غير مؤهلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحركت بالتنسيق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لمواجهة الصفحات والمحتوى المخالف. المشكلة أن الشخص قد يبدأ بمحتوى يبدو توعوياً، ثم يتحول تدريجياً إلى تقديم وصفات وتشخيصات أو الترويج لخدمات علاجية، وهنا يتحول الأمر من محتوى إلى ممارسة قد تعرض صحة المواطنين للخطر.
■ لماذا ينجح بعض المحتالين في الاستمرار سنوات دون اكتشافهم؟
لأنهم يعتمدون على بناء الثقة تدريجياً، من خلال انتشار عبر السوشيال ميديا بصفحة لها آلاف المتابعين، وإعلانات مستمرة، يمكن أن تجعل المواطن يعتقد أن صاحبها طبيب حقيقي حتى لو لم يتحقق من بياناته، وهنا نحتاج إلى تغيير ثقافة التعامل مع الخدمة الطبية، الشهرة ليست مؤهلاً، وعدد المتابعين ليس ترخيصاً، والشهادة التدريبية ليست بالضرورة تصريحاً بممارسة الطب.
■ ما المطلوب لتطوير الرقابة خلال الفترة المقبلة؟
نحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ بسرعة تلقي البلاغات والتحرك فيها، وتطوير قواعد البيانات، وربط المعلومات المتعلقة بالأطباء والمنشآت بالجهات الرقابية، إلى جانب تشديد الرقابة على الإعلانات والمحتوى الطبي المخالف، كما نحتاج إلى أدوات تحقق إلكترونية بسيطة يستطيع المواطن استخدامها بنفسه. ومن الأفكار المطروحة وضع QR Code على شهادة ترخيص العيادة، بحيث يستطيع المواطن الوصول إلى البيانات الرسمية الخاصة بالطبيب والمنشأة والتأكد من التخصص ودرجة القيد والترخيص.
■ وما نصائحكم للمرضى للتحقق من العيادات قبل توقيع الكشف الطبي؟
لا تعتمد على البالطو الأبيض وحده، ولا على الشهادة المعلقة على الحائط، ولا على عدد المتابعين أو الإعلانات، تحقق من الطبيب ومن تخصصه ومن ترخيص المنشأة، المريض لديه الحق في معرفة من يقدم له الخدمة الطبية، والطبيب الحقيقي لا يخشى أن تكون بياناته واضحة ويمكن التحقق منها، وكلما أصبح المواطن أكثر وعياً بضرورة التحقق، أصبح من الصعب على منتحلي الصفة والدجالين أن يجدوا طريقاً سهلاً إلى المرضى، فالهدف في النهاية ليس فقط حماية لقب «الطبيب»، وإنما حماية حياة المريض وصحته، وضمان ألا تتحول حاجته إلى العلاج إلى فرصة يستغلها شخص غير مؤهل لتحقيق مكاسب على حساب سلامته.


تعليقات