علي الفاتح يكتب: «واشنطن – طهران».. متى يتحول التلاسن إلى حرب إقليمية مدمرة؟
علي الفاتح يكتب: «واشنطن – طهران».. متى يتحول التلاسن إلى حرب إقليمية مدمرة؟
تبدو الفوضى المتعمدة الرابط الرئيس بين مناقشة البيت الأبيض لإمكانية ضرب إيران بالقنابل النووية القذرة، والتهديد مجدداً بقصف سلطنة عمان، واستهداف مصافي النفط ومحطات الكهرباء، واغتيال رئيس الاستخبارات في ليبيا، وضرب ميناء دمياط، وتهديد إثيوبيا بالتلاعب بحصة مصر والسودان في مياه النيل، وإن كانت عواقبها في كل الحالات صفر صهيوأمريكي كبير.
حلقة النار تتسع من مضيق هرمز والخليج العربي إلى شرق المتوسط وشمال أفريقيا وصولاً إلى حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، وكأن هناك من يريد امتداد الحرب بقصد إثارة فوضى عارمة تبتلع الجميع، وتستنزف مقدرات دول المنطقة وتفكك جيوشها، وربما تغير جغرافيتها وتعيد رسم خرائطها.
لا يمكن توقع وجود نية حقيقية لخفض الصراع، والعودة إلى مائدة المفاوضات مع هذا العمل الدؤوب لاستفزاز قوة إقليمية كبرى بحجم مصر من أجل الضغط عليها عبر إثارة قلاقل جيوسياسية وصراع وجودي على المياه، ناهيك عن الضغوط الاقتصادية المتلاحقة، كل ما يجرى يؤكد أننا ذاهبون إلى ذروة التصعيد واحتمالات الحرب المفتوحة.
في أقل تقدير، الجاني واحد في واقعة استهداف ميناء دمياط، ومصافي ومحطات الكهرباء الليبية، واغتيال فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات الليبى في بنغازي، وإعلان إثيوبيا السيطرة الكاملة على مياه النيل، وإعادة توزيع حصص دولتي المصب مصر والسودان، كما يروق لها.
الهدف الأخير، استجابة مصر لضغوط الأطراف التى تريد لها الانخراط في العدوان على إيران وبعض حلفائها بقدراتها الهجومية، وعدم الاكتفاء بالدور الدفاعي عن المصالح والأهداف الحيوية في دول الخليج العربى.
إثيوبيا ولأول مرة كشفت عن أهدافها العدوانية من بناء سد الخراب الحبشي، المعروف باسم سد النهضة، بتجاوزها كافة أحكام القانون الدولي التي تجرّم سيطرة الدول على الأنهار الدولية المشتركة.
فها هي تعلن صراحة اتجاهها إلى بناء ثلاثة سدود أخرى لتتحكم بشكل كامل في مياه منابع النيل الأزرق.
هذا التحرك الإثيوبي لم يأتِ بقرار ذاتي من قبل أديس أبابا، وإنما بتحريض من داعميها في الغرب الصهيوني، وبعض الأطراف الإقليمية، التي ارتضت العمل في خدمة نتنياهو، والكل هنا أصحاب مصلحة في الضغط على مصر كي تدفع جيشها للتورط في العدوان على إيران ليخرج من تلك الحرب الخاسرة منهكاً مستنزفاً بقدراته العسكرية، التي راكمها طوال سنوات لحماية الأمن القومي المصري.
ما جرى ويجري في ليبيا يأتي في السياق نفسه، فليس مطلوباً استقرار الحدود الغربية لمصر، خاصة بعد أن فشلت محاولة الاستنزاف الأولى بضرب سفينتي الغاز في ميناء دمياط، عبر مُسيَّرة، سارع الإعلام الصهيوني والأمريكي والإخواني، إضافة إلى ما يسمى بتيار العلمانية الوظيفية إلى اتهام إيران على نحو ما أشرنا في هذه الزاوية قبل أسبوعين، في مقال بعنوان: «مصر في عين العاصفة».
لا نبالغ إذا قلنا إن مصر تملك عصا موسى القادرة على ابتلاع واحتواء كل تلك المؤامرات ومَن وراءها بما لديها من أوراق وأدوات ضغط جيوسياسية واقتصادية وصولاً للورقة العسكرية.
تتحرك الدبلوماسية المصرية مستخدمة كل أدواتها الناعمة والخشنة في وجه كل الأطراف المتورطة في الإقليم، علاوة على امتداداتها الحيوية في قلب القارة العجوز، أوروبا.
أمام الفشل الأمريكي والهزيمة العسكرية النكراء التي نالت من هيبة وسمعة جيش الولايات المتحدة، لم يعد أمام واشنطن سوى اللجوء إلى لعبة خلط الأوراق، والتهديد بارتكاب المزيد من جرائم الحرب، التى من شأنها إغراق المنطقة في بحور من الدماء.
عضو الكونجرس الأمريكي السابقة عن الحزب الجمهورى مارجوري تايلور غرين كشفت عبر حسابها على موقع «إكس» أن البيت الأبيض عقد اجتماعات استراتيجية ناقش خلالها إمكانية خفض العتبة النووية واستخدام القنابل النووية التكتيكية القذرة في ضرب إيران.
والمعروف عنها دعمها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها ترفض توريط بلادها في حروب خارجية، شأنها في ذلك شأن أكثر من 66% من الأمريكيين بحسب استطلاعات الرأي.
شكك بعض المحللين في تصريحات عضو الكونجرس السابقة لأنها لم ترفق منشورها بوثائق أو تسجيلات أو تنسب المعلومات لمصادر معلومة، لكن الرئيس الأمريكي نفسه قال في اليوم التالى للتصريح إنه لم يستخدم في عدوانه على إيران كل ما يملكه من أسلحة استراتيجية وإن لديه ما يكفي لتدميرها.
لم ينف البيت الأبيض ما قالته «غرين» على حسابها الشخصى في موقع «إكس»، وهذا ما قد يجعل من تصريح ترامب إشارة محتملة إلى السلاح النووي التكتيكي الذى قد يستخدمه لضرب المنشآت النووية الإيرانية في الجبال المحصنة لينسحب بعدها من الحرب، معلناً انتصاراً زائفاً، خاصة أنه عاد ليؤكد خلال اليومين الماضيين أن الهدف الرئيس من الحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي بعد أن سجل غياب الحديث عن الملف النووي الإيراني في تغريدات وتصريحات الرئيس الأمريكي خلال الأسابيع الماضية لصالح الحديث عن فتح مضيق هرمز.
أول عواقب مناقشة تخفيض العتبة النووية داخل البيت الأبيض تعقيد ملف المفاوضات النووية مع إيران، ودفع الأخيرة إلى التفكير جدياً في امتلاك السلاح النووى ليكون رادعاً في وجه واشنطن أو غيرها، وذلك على المدى المتوسط، وهو ما من شأنه أن يدخل دول المنطقة في سباق تسلح نووى في ظل غياب بوصلة للعمل الجماعي من أجل أمن الإقليم ضد مخططات الغرب الصهيوني، الذي قاد العدوان على طهران لتفكيك الدولة وهدمها تمهيداً لاستهداف باقي دول المنطقة من باكستان والسعودية إلى تركيا ومصر.
وفي سياق ما يمكن تسميته بالفوضى المتعمدة وغير الخلّاقة، هدد الرئيس الأمريكي مجدداً بقصف عُمان (الوسيط المحايد)، في ظل أنباء عن تقدم مباحثاتها مع إيران حول إدارة العبور في مضيق هرمز. وسبق لدونالد ترامب توجيه التهديد نفسه للسلطنة في مايو الماضي عندما بدأت تلك المباحثات مع طهران.
هذا التهديد لا يبدو من باب التحذير أو التخويف هذه المرة، فقبل أيام أكد ترامب أنه ربما يعلن قريباً تبعية مضيق هرمز للولايات المتحدة، ما يعنى أن الرئيس الأمريكي قد يكون جاداً في شن عدوان على سلطنة عمان تحت أى زعم بهدف احتلال سواحلها المطلة على مضيق هرمز لإدراكه استحالة شن هجوم برى على إيران أو حتى أى من جزرها المنتشرة بالقرب من المضيق وداخل الخليج العربى.
في التحليل النهائى: لن يستمر هذا الهدوء الهش والتلاسن طويلاً، فصحيح نجحت إيران في منع عبور أى سفن تجارية أو ناقلات نفط عبر مضيق هرمز خلال اليومين الماضيين، لكنها أيضاً لن تستطيع الصبر كثيراً على الحصار البحرى المفروض عليها، فقد أعلن قائد الجيش الإيراني أمير حاتم أن هناك مهلة أمام واشنطن لن تتجاوز عدة أسابيع لرفع الحصار بعدها سيقوم الجيش الإيرانى بشن هجمات ضد البحرية الأمريكية المنهكة أصلاً لإجبارها على الانسحاب من محيط هرمز وبحر العرب، لافتاً إلى عدم السماح بإعادة بناء وإصلاح القواعد العسكرية الأمريكية التى تم تدميرها بالمنطقة، علاوة على عدم السماح للسفن الحربية الأمريكية بالملاحة في مياه الخليج سواء في أوقات السلم أو الحرب.


تعليقات