المستظهر بالله.. خليفة عباسي عاصر سقوط القدس واشتداد نفوذ الصليبيين والباطنية

المستظهر بالله.. خليفة عباسي عاصر سقوط القدس واشتداد نفوذ الصليبيين والباطنية

تمر اليوم ذكرى وفاة الخليفة العباسي المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله، الخليفة الثامن والعشرين في سلسلة خلفاء بني العباس، والذي ارتبط عهده بواحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ العالم الإسلامي، إذ شهدت سنوات حكمه قيام الحملة الصليبية الأولى وسقوط بيت المقدس، إلى جانب اتساع نفوذ الباطنية والصراعات داخل الدولة السلجوقية.

 

وتولى المستظهر بالله الخلافة في بغداد سنة 487هـ/1094م، بعد وفاة والده الخليفة المقتدي بأمر الله، وكان في السادسة عشرة من عمره تقريبًا، واستمر في منصبه نحو 24 عامًا، حتى وفاته سنة 512هـ/1118م.

 

خليفة شاب في زمن مضطرب

كان المستظهر بالله لا يزال شابًا عندما انتقلت إليه الخلافة، في وقت كانت فيه السلطة الفعلية في المشرق الإسلامي موزعة بدرجة كبيرة بين الخليفة العباسي في بغداد والسلاطين السلاجقة.

وتصفه كتب التاريخ بأنه كان لين الجانب، كريم الأخلاق، محبًا للعلماء والصلحاء، كثير البر والإحسان، كما عُرف بحسن الخط وجودة التوقيعات وسعة العلم. إلا أن هذه الصفات الشخصية لم تمنح عهده الاستقرار؛ فقد كانت السنوات التي حكم فيها بغداد مليئة بالصراعات السياسية والعسكرية.

وكان المستظهر قد تولى الخلافة في وقت كانت فيه الدولة السلجوقية نفسها تمر بصراعات على السلطة، وهو ما جعل نفوذ الخليفة العباسي مرتبطًا بدرجة كبيرة بتوازنات القوى بين السلاطين والأمراء.

 

الحملة الصليبية الأولى.. الحدث الأبرز في عهده

ربما كان الحدث الأكثر تأثيرًا في الذاكرة التاريخية المرتبطة بعصر المستظهر بالله هو الحملة الصليبية الأولى وسقوط بيت المقدس سنة 492هـ/1099م.

ففي عهده وصل الصليبيون إلى بلاد الشام، وتمكنوا بعد سلسلة من الحملات والحصارات من الاستيلاء على القدس، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع بين القوى الإسلامية والصليبية.

وتذكر المصادر التاريخية أن سقوط المدينة صاحبه قتل واسع، وتورد بعض المصادر الإسلامية أرقامًا كبيرة للضحايا، من بينها رواية مقتل نحو 70 ألفًا من المسلمين والمسيحيين واليهود، وهي أرقام تاريخية ينبغي نسبتها إلى مصادرها وعدم التعامل معها باعتبارها إحصاءً حديثًا دقيقًا.

كما شهدت السنوات التالية توسع الوجود الصليبي في مناطق أخرى من بلاد الشام، ومنها طرابلس وحيفا وقيسارية وأرسوف، وهو ما جعل عهد المستظهر مرتبطًا ببداية ترسخ الإمارات الصليبية في المنطقة.

 

الباطنية.. خطر آخر داخل العالم الإسلامي

وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يواجهون التوسع الصليبي، تصاعد نفوذ الباطنية في عدد من المناطق.

وتشير الروايات التاريخية إلى انتشار دعوتهم في أصبهان والعراق ومناطق أخرى، ووقوع عمليات قتل واغتيال أثارت حالة من الخوف بين الأمراء والسكان.

وفي سنة 500هـ، بحسب الروايات التي أوردتها كتب التاريخ، تمكنت القوات المناهضة للباطنية من السيطرة على قلعة في أصبهان كانت تحت نفوذهم، بينما شهدت سنة 502هـ محاولة أخرى للسيطرة على شيراز، انتهت بالقضاء على المجموعة التي دخلتها.

وهكذا وجد العالم الإسلامي نفسه في عهد المستظهر أمام جبهتين متزامنتين: خطر خارجي تمثل في الحملات الصليبية، وصراعات داخلية مرتبطة بالحركات السياسية والمذهبية المسلحة.

 

صراعات السلاجقة انعكست على الخلافة

لم تكن بغداد بعيدة عن الصراعات التي شهدتها الدولة السلجوقية، التي كانت صاحبة النفوذ العسكري والسياسي الأكبر في المشرق.

وشهد عهد المستظهر صراعات بين السلاطين والأمراء على الحكم، كما تغيرت موازين القوى أكثر من مرة، وهو ما انعكس على العلاقة بين الخليفة العباسي والسلطة السلجوقية.

وفي إحدى مراحل هذه الصراعات، اقتصر الخطباء في بعض المناطق على الدعاء للخليفة دون السلطان، في إشارة إلى التغيرات التي طرأت على ميزان النفوذ السياسي.

 

من الزندقة إلى ادعاء النبوة

كما سجلت كتب التاريخ عددًا من الحوادث الغريبة خلال سنوات خلافة المستظهر.

ففي سنة 488هـ، تذكر الروايات مقتل أحمد خان صاحب سمرقند بعد اتهامه بالزندقة، عقب عرضه على الفقهاء وإصدارهم حكمًا بقتله.

وفي سنة 499هـ ظهر رجل في نواحي نهاوند ادعى النبوة، وتذكر الروايات أنه تبعه عدد من الناس قبل أن يتم القبض عليه وقتله.

وتكشف هذه الوقائع عن طبيعة المرحلة التي عاشها المستظهر، والتي شهدت اضطرابات سياسية ودينية وفكرية متزامنة.

 

سنوات من الحروب والاضطراب

وعلى الرغم من أن المصادر تصف المستظهر شخصيًا بالكرم وحب العلم والإحسان، فإن فترة حكمه لم تكن مستقرة.

ففي عهده مات عدد من السلاطين وتبدلت مراكز القوة، واشتدت المنافسة داخل الدولة السلجوقية، بينما كان الصليبيون يوسعون نفوذهم في الشام.

وفي الوقت نفسه، استمرت المواجهة مع الباطنية، وظهرت اضطرابات في مناطق مختلفة من العراق وفارس.

ولهذا يمكن القول إن المستظهر كان خليفة هادئ الطبع في واحدة من أكثر مراحل التاريخ العباسي اضطرابًا.

 

وفاة المستظهر.. ونهاية مرحلة

توفي المستظهر بالله سنة 512هـ/1118م بعد خلافة امتدت أكثر من 24 عامًا، وتولى بعده ابنه المسترشد بالله الخلافة، ليبدأ فصل جديد من تاريخ الخلافة العباسية في بغداد.

وتختلف المصادر الحديثة في تحويل تاريخ وفاته إلى التاريخ الميلادي؛ فبعضها يورده في 14 أغسطس 1118، بينما تورد مصادر أخرى تاريخًا ميلاديًا مختلفًا تبعًا لاختلاف تحويل التاريخ الهجري وتباين الروايات حول اليوم الهجري للوفاة. لذلك، إذا كان الموضوع سيُنشر باعتباره مادة «حدث في مثل هذا اليوم»، فالأدق اعتماد 23 ربيع الآخر 512هـ مع الإشارة إلى التحويل الميلادي بحذر.