«رابعة والنهضة».. تحولا لساحات للصدام وأسسا لموجة جديدة من الإرهاب بعد فشل فرض الأمر الواقع
«رابعة والنهضة».. تحولا لساحات للصدام وأسسا لموجة جديدة من الإرهاب بعد فشل فرض الأمر الواقع
لم تكن جماعة الإخوان أمام اختبار سياسي عابر في أعقاب 30 يونيو 2013، وإنما وجدت نفسها أمام لحظة كشفت، بحسب شهادات عدد من الباحثين والمنشقين عن التنظيم، الوجه الأكثر عنفاً في ممارساتها، بعدما تحولت اعتصامات رابعة والنهضة إلى ساحات للصدام المسلح ومحاولات فرض الأمر الواقع على الدولة والمجتمع، وبينما سعت الجماعة لاحقاً إلى تقديم أحداث الفض باعتبارها رواية أحادية عن «المظلومية»، جاءت التطورات التي أعقبتها من أعمال عنف وظهور تنظيمات مسلحة لتكشف أن المشهد لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل امتد إلى مشروع صدام مع مؤسسات الدولة واستخدام العنف كوسيلة لتحقيق أهداف التنظيم.
وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث، لا تزال حاضرة في الذاكرة، خاصة مع ما شهدته البلاد قبل عملية الفض وبعدها من اشتباكات وأعمال عنف وهجمات استهدفت مؤسسات الدولة وقوات الجيش والشرطة والمنشآت العامة ودور العبادة.
«عتلم»: الاعتصامات كانت مراكز لإدارة الصراع مع الدولة
وفي هذا الشأن، قال الدكتور وليد عتلم، الكاتب والباحث الرئيسي بالمركز الوطني للدراسات، إن خطورة اعتصامي رابعة والنهضة لم تكن فقط في حجم السلاح الذي كان مخبأً داخل الميادين، أو في فكرة الاعتصام وما ترتب عليها من فوضى وترويع، وإنما فيما وصفه بطبيعة المشروع الذي كان يتشكل على الأرض، والمتمثل في محاولة فرض واقع موازٍ للدولة ومؤسساتها.
وأوضح «عتلم» أن الاعتصامين تحولا إلى محاولة لفرض «دولة الجماعة» على الدولة والمجتمع، من خلال امتلاك أدوات مسلحة وقواعد خاصة وقدرة على تعطيل الحياة العامة وفرض الإرادة بالقوة، معتبراً أن ذلك كان من شأنه فتح الباب أمام الفوضى والعنف والإرهاب، وتحويل المجتمع إلى ساحة للترهيب وتخويف المواطنين، ووضع مؤسسات الدولة وهيبتها أمام اختبار مباشر.
وأكد أن اعتصامي رابعة والنهضة، وفق قراءته، لم يكونا مجرد تجمعين سياسيين للتعبير عن الرأي، كما حاولت جماعة الإخوان وأنصارها تقديمهما، وإنما تحولا عملياً إلى ما وصفه بـ«ثكنات مسلحة» ومراكز لإدارة الصراع مع الدولة ومؤسساتها، مضيفاً أن شواهد الميدان والمضبوطات والشهادات التي أشار إليها أثبتت، أن التنظيم أعد نفسه لمواجهة طويلة الأمد.
ويرى «عتلم» أن استخدام خطاب المظلومية لم يبدأ بعد فض الاعتصامين باعتباره مجرد رد فعل إعلامي، وإنما يمثل جزءاً من آلية أوسع استخدمتها الجماعة للحفاظ على تماسك تنظيمها وتجنب مراجعة تجربتها السياسية.
وقال إن تاريخ جماعة الإخوان، يكشف عن اعتماد ما سماه «سيكولوجية المظلومية» كوقود لبقاء التنظيم، باعتبارها وسيلة لإغلاق الباب أمام المراجعة الفكرية أو الاعتراف بالأخطاء السياسية، موضحاً أن قيادات الجماعة حولت أحداث 2013 إلى سردية مظلومية لتغطية ما وصفه بحجم العنف المسلح الذي جرى الإعداد له داخل الميادين، وكذلك للتغطية على هروب بعض القيادات وتقديم كوادر من الشباب والبسطاء للمواجهة.
وأشار الباحث إلى أن الموجة الإرهابية التي تلت فض الاعتصامين، شملت حرق كنائس واقتحام أقسام شرطة، وظهور أجنحة مسلحة، من بينها «حسم» و«لواء الثورة»، معتبراً أن تلك التطورات مثلت كشفاً عن وجود خيار مسلح داخل بعض التيارات المرتبطة بالجماعة.
«حجازى»: «الجماعة» استهدفت الجيش والشرطة والمنشآت العامة والخاصة
ومن جانبه، قال الدكتور محمد حجازي، أستاذ العلوم السياسية، إن ذكرى فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة تعيد إلى الذاكرة مرحلة بالغة التعقيد والدموية، شهدت خلالها مصر حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي والمجتمعي، موضحاً أن الاعتصامين استمرا لأسابيع بعد عزل محمد مرسي، وسط أجواء شديدة التوتر، مشيراً إلى أن البلاد شهدت قبل عملية الفض اشتباكات وأعمال عنف في محيط رابعة والنهضة ومناطق أخرى في عدد من المحافظات.
وأضاف أن السلطات المصرية أعلنت وقتها أن الاعتصامين لم يعودا مجرد تجمعين سياسيين سلميين، خاصة مع التأكد من عناصر داخلهما بحيازة أسلحة وارتكاب أعمال عنف، قبل أن تبدأ قوات الأمن في 14 أغسطس 2013 عملية فض الاعتصامين.
ولفت «حجازي» إلى أن جماعة الإخوان وأنصارها تبنوا خطاباً إعلامياً واسعاً ركز على ما أسموه «المظلومية»، وحولوا رابعة إلى رمز للضحايا، وسردية استمرت لسنوات وأصبحت جزءاً من الذاكرة السياسية للجماعة، مؤكداً أهمية رفض جر الدولة والمجتمع إلى صراع دموي.
وقال إبراهيم ربيع، القيادي السابق بجماعة الإخوان والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن الجماعة خططت لأعمال عنف وتفجير خلال فترة الاعتصام، وأعدت استراتيجية لتنفيذ أعمال وصفها بالإرهابية في مناطق مختلفة من مصر.
وأضاف «ربيع» أن كيانات مسلحة جرى تأسيسها وتسكينها جغرافياً خلال فترة الاعتصام، مع اعتماد أساليب وأدوات اتصال لتحقيق أهداف التنظيم، من بينها استخدام الشفرات ووسائل التواصل المختلفة، بما في ذلك تطبيق «تليجرام» والاتصال المباشر.
وأشار إلى اعتماد هياكل تنظيمية وتمويلات مالية وتوزيع للأدوار داخل الاعتصام، لافتاً إلى أن قيادات من الجماعة شاركت في التخطيط لأعمال العنف، من بينهم محمد كمال وعلاء السماحي.
ونوه بظهور كيانات بعد الفض حملت أسماء «العمليات النوعية» و«الحراك الثوري» و«حسم» و«لواء الثورة والمقاومة الشعبية»، موضحاً أن هذه الكيانات ارتبطت بموجة من أعمال العنف التي استهدفت إرباك الدولة.
وفي شهادة أخرى، قال طارق البشبيشي، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان، إن قيادات الجماعة في اعتصام رابعة تعمدت إخفاء موعد فض الاعتصام عن الموجودين داخله، معتبراً أن الهدف كان منع مغادرة المعتصمين قبل بدء عملية الفض، مضيفاً أن قيادات من الجماعة غادرت مقر الاعتصام قبل حالة الهرج التي صاحبت الفض، حيث إن بعضهم توجه إلى مناطق حدودية أو اختبأ في شقق بمدينة نصر، بينما تمكنت الأجهزة الأمنية لاحقاً من القبض على عدد من القيادات.
وأشار إلى أن قيادات التنظيم أصدرت أوامر إلى كوادرها بالعودة إلى المحافظات استعداداً لما وصفه بأعمال عنف واسعة عقب الفض، بينما بقي داخل الاعتصام عدد من الشباب المتحمسين ومن وصفهم بأنهم من خارج التنظيم، إلى جانب بعض حاملي السلاح.
«فاروق»: انتقاء الميادين الحيوية استهدف السيطرة على الجغرافيا السياسية
بدوره، قال عمرو فاروق، الباحث في شؤون الحركات الإرهابية، إن اختيار جماعة الإخوان لميدان رابعة للاعتصام لم يكن عشوائياً، وإنما استهدف السيطرة على جزء من الجغرافيا السياسية للدولة، موضحاً أن غرفة عمليات رابعة كانت بمثابة مقر لمكتب الإرشاد داخل الاعتصام، معتبراً أن الجماعة كانت تتعامل مع السياسة باعتبارها أداة لخدمة أهداف التنظيم.


تعليقات