كشف علماء آثار عن مقبرة من الطبقة الثرية في مدينة خرسونيسوس اليونانية القديمة بشبه جزيرة القرم، تعود إلى العصر الروماني، في اكتشاف يقدم معلومات جديدة عن طقوس الدفن وحياة الطبقات الثرية في المدينة قبل نحو ألفي عام.
وعثر الباحثون داخل المقبرة على بقايا شابة عُرفت باسم أنيون من خلال نقش جنائزي باللغة اليونانية، يشير إلى أنها كانت ابنة أيشينيس بن هيرويدس، وأنها توفيت عن عمر 18 عامًا.
كيف جرى اكتشاف المقبرة؟
اكتُشفت المقبرة في الضاحية الجنوبية لمدينة خرسونيسوس، داخل مجمع جنائزي ضخم ارتبط بدفن عدد من الشخصيات البارزة في المدينة خلال العصر الروماني.

المقبرة
نقش جنائزي يكشف هوية الشابة
استطاع الباحثون التعرف على الشابة من خلال نقش تذكاري يحمل اسم أنيون، وهو الاسم نفسه الذي ظهر على وعاء ذي طلاء أحمر عُثر عليه بين متعلقاتها داخل المقبرة، ما دعم تحديد هوية صاحبة الدفن.
وضمت المقبرة مجموعة من المقتنيات التي تكشف عن مكانة اجتماعية مرتفعة لصاحبتها، من بينها مجوهرات ذهبية وخواتم وقلائد وقطع زخرفية كانت مثبتة في الملابس.
كما عثر علماء الآثار على أوعية زجاجية للعطور، صُمم بعضها على هيئة ثمرة تمر وعنقود من العنب، إلى جانب صناديق مصنوعة من العظم كانت تستخدم لحفظ مستحضرات التجميل، وبقايا من مسحوق تجميلي أحمر، بالإضافة إلى دبابيس للشعر ومغزلين وعدد كبير من الخرز.
وتضم المقبرة أيضًا بقايا طفل إلى جانب بقايا الشابة، بينما لم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد سبب وفاة “أنيون”.
مقبرة أنيون جزء من مجمع جنائزي كبير
لم تكن مقبرة الشابة منفصلة عن محيطها، وإنما جاءت ضمن مجمع جنائزي ضخم بالقرب من بوابات المدينة القديمة،
ويضم المجمع مقبرة حجرية وسردابًا يحتوي على فتحات للدفن، وعددًا من المنشآت الجنائزية، بالإضافة إلى كولومباريوم، وهو مبنى كان يضم أماكن لحفظ رماد الموتى.
وتحمل بعض الأحجار التذكارية في الموقع اسم أريستون، ما يشير إلى أن المنطقة استخدمت لدفن وتخليد ذكرى عدد من الأشخاص.
وأكد الباحثون أن وجود اسم أريستون في المجمع لا يعني أن رجلًا بهذا الاسم دُفن مع أنيون، إذ أن البقايا المكتشفة داخل مقبرتها تعود إلى امرأة وطفل، وليس إلى رجل بالغ.
ويرجع الباحثون تاريخ المجمع الجنائزي إلى القرن الثاني الميلادي، واستمر استخدامه حتى منتصف القرن نفسه.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن المنطقة الجنوبية من خرسونيسوس كانت تضم في العصر الروماني مقابر متنوعة، وكان الجزء القريب من بوابات المدينة مخصصًا للمنشآت الجنائزية الأكثر فخامة، التي ارتبطت بالمواطنين الأكثر ثراءً ونفوذًا.

مجوهرات المقبرة
نقل المقابر لحمايتها من المياه والتآكل
ومع تعرض الآثار لخطر ارتفاع منسوب المياه والتآكل، عمل علماء الآثار على نقل ستة منشآت جنائزية إلى متحف الآثار والبيزنطية في خيرسونيسوس الجديدة، من بينها المقابر المرتبطة بأنيون وأريستون، إلى جانب مبنى دائري ثولوس وكولومباريوم وسرداب تذكاري، وأصبحت مقبرة “أنيون” معروضة أمام الجمهور داخل المتحف.
وشمل مشروع الترميم مسح أكثر من 4600 كتلة حجرية، وترميم أكثر من 800 كتلة، بينما أوضح الباحثون أن أعمال الحفظ الرئيسية أوشكت على الاكتمال.
ويأتي هذا المشروع ضمن خبرات فريق أثري سبق له العمل في مشروعات ترميم مواقع أثرية أخرى، من بينها قوس النصر في مدينة تدمر السورية، المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
ويمنح اكتشاف مقبرة أنيون الباحثين فرصة نادرة للتعرف على جانب من حياة النساء في الطبقات الثرية بمدينة خرسونيسوس خلال العصر الروماني، ليس فقط من خلال النقش الذي حفظ اسمها وعمرها، وإنما أيضًا من خلال مقتنياتها الشخصية التي ظلت شاهدة على تفاصيل من حياتها اليومية بعد مرور نحو ألفي عام.

اكتشاف مقبرة اثرية

تعليقات