خالد دومة يكتب: صائد الفراشات

خالد دومة يكتب: صائد الفراشات

يحتاج الإنسان أن يشعر بأن أحدًا يراه، أن ينظر في عينيه ليرى الحياة تنعكس في عينيه. إن شعور الخوف قد يجعل الإنسان مرتبكًا، قلقًا، تصدر منه أفعال لا تمت إلى طبيعته بصلة، ولا يعيها بعد أن تمضي، وإن تركت أثرًا في عالمه الباطن الخفي.
كانت رحلة في البحث عن الطمأنينة، عن استقرار نفسي، محاولةً للعودة إلى الحياة بعد أن خصمته سنواتٌ بفقد والديه. كانت الفراشات التي يصطادها تعطيه شيئًا من هذا الشعور، بامتلاك الجمال، ولكنه رمز ليس لحمًا ودمًا ينفعل معه، يحدثه، ويملأ عالمه بالخيال وشعور الحب.
وبعد أن خطط ودبّر، وأنفق المال والجهد، وخاطر، كان الجمال متجسدًا أمامه؛ يراه يأكل ويشرب ويتنفس ويتحرك في خطوات، ويرسم ويجوب محبسه. لم يكن هناك صدى لما فعل سوى الفجوة والجفوة التي تتسع كل يوم، بلا طائل من إصلاح ما فسد. لم يكن في وسع الفراشة الكبرى، ذات اللحم والدم، أن تُرغم على الحب، والعطار، وهي مأسورة، يقيد قلبها بمخالب، يريدها بالقوة والعنوة. هل كان يفهم ما ينبغي عليه فعله حين يريد؟ أكبر الظن أنه انساق خلفه دون وعي بطبيعة الحب والجمال. إنه أساء الأسلوب والطريقة، وضاع في زحمة الأحداث عما توقع.
ولكن يصعب على الإنسان أن يعترف بالفشل مع وقعه، فهو نفسه أسير فكرته ورغبته، وليس لكثير من الناس القدرة على العودة أو انهيار أحلامهم التي باتوا سنوات يحلمون بتحقيقها.كأنما بات العذاب الأبدي حليفه، ينغص عليه حياته، ويذيقه من مرارتها جرعات بعد جرعات، حتى ينسى طعم الجمال، ويتوه المعنى من عقله، فيتخبط في واقع مذل، حين يهينه بالرفض والنفور، ويُساق من يديه وقلبه إلى الخراب المحتوم.وقد يأبى الاعتراف والانسياق، فيجاهد في عبث مرة أخرى، ومرة بعد مرة، حتى يفقد القدرة على الرجوع، ثم يستمر ويصاب بالجنون، ويندفع، فيحترق كل شيء بين يديه.ويطلب بعد ذلك، رغبةً وحبًا، في تشويه الأشياء الجميلة، طالما أنه غير قادر على امتلاكها، فيحرمها على الآخرين، أو ينالونها وهي قبيحة، لا لمسة فيها من جمال، ولا نبض لها من حياة.
فينتهي وهو صائد من نفسه، وقاتل لما به من شعور، فيعيش في الظلام، يستدرج فرائسه الجميلة، وينتزع منها أجمل ما تعتز به، ثروتها الكبرى، ويقضي عليها دون أدنى شعور بذنب يلامس قلبه أو فكره، أو تكدر أفعاله، أو حتى ضمير يؤنبه، ولو للحظات قصيرة.فيتحول إلى مسخ، كلما نظر في المرآة استشاط غضبًا وكفرًا بالحياة، التي قد تعطي بسخاء للبعض، وتحرم البعض من كل شيء، وتحاكم بميزان القسوة والظلم، لتحابي وتتجنى، ولا حكمة فيما تفعل أو فيما يقع من أحداثها.