شكّل أبو عبد الله محمد الثاني عشر، المعروف في المصادر الإسبانية باسم “بوابديل”، الفصل الأخير في تاريخ الحكم الإسلامي بالأندلس، إذ ارتبط اسمه بسقوط مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية. وفي السابع من أغسطس عام 1493، وقّع اتفاقًا مع الملكين الكاثوليكيين فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى، تخلى بموجبه عن ما تبقى من أملاكه في الأندلس، قبل أن يغادرها نهائيًا متجهًا إلى المغرب.
كان أبو عبد الله الثاني عشر ابن السلطان أبي الحسن علي بن سعد، وتولى الحكم وسط ظروف سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، اتسمت بصراعات داخلية بين أفراد الأسرة الحاكمة، إلى جانب الحرب المستمرة مع مملكتي قشتالة وأراغون. كما واجه منافسة من عمه محمد الزغل، وهو ما أضعف مملكة غرناطة في مواجهة التوسع القشتالي.
ورغم الصورة الشائعة التي تصور أبا عبد الله الصغير باعتباره الحاكم الذي سلّم غرناطة دون مقاومة، يرى عدد من الباحثين أن هذه الرواية تبسط الأحداث التاريخية. ويؤكد الباحث في التاريخ الإسلامي حمزة الكتاني أن أبا عبد الله خاض سنوات من الصراع ضد القوات القشتالية، وفي الوقت نفسه واجه النزاعات الداخلية مع عمه، قبل أن يدرك أن استمرار القتال لم يعد ممكنًا في ظل اختلال موازين القوى، فاختار التفاوض لتجنب مزيد من الدمار.
تسليم غرناطة
وبعد تسليم غرناطة، حصل أبو عبد الله بموجب معاهدة التسليم على عدد من الأملاك في منطقة البشرات، مع تعهد من الملكين الكاثوليكيين باحترام حقوق المسلمين ودينهم وممتلكاتهم. إلا أن هذه التعهدات لم تستمر طويلًا، إذ بدأت السلطات الإسبانية في فرض قيود متزايدة على المسلمين، ثم اتجهت إلى سياسات التنصير القسري ومصادرة الحقوق، وهو ما أدى لاحقًا إلى اندلاع ثورات متعاقبة، أبرزها ثورة البشرات.
وفي السابع من أغسطس 1493، وقّع أبو عبد الله اتفاقًا جديدًا تخلى بموجبه عن جميع أملاكه المتبقية مقابل تعويض مالي، ثم غادر الأندلس نهائيًا إلى المغرب، حيث أقام في مدينة فاس حتى وفاته.
ويرى مؤرخون أن سقوط غرناطة لم يكن نتيجة قرار فردي، وإنما جاء بعد عقود من الانقسامات السياسية داخل الدولة النصرية، والتفوق العسكري والاقتصادي للممالك المسيحية، الأمر الذي جعل استمرار المقاومة شبه مستحيل.
كما يشكك عدد من الباحثين في صحة المقولة الشهيرة المنسوبة إلى والدته عائشة الحرة: «ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال»، مؤكدين أنها لم ترد في المصادر العربية المعاصرة، وإنما ظهرت في بعض الروايات القشتالية المتأخرة، التي اختلفت بدورها في تفاصيل الواقعة، وهو ما يجعلها أقرب إلى الرواية الأدبية منها إلى الحقيقة التاريخية الموثقة.


تعليقات