صورة تعبيرية مصنوعة رقميًا بالذكاء الاصطناعى
10
مرت الأيام، وأصبح دخولي القصر أمرًا مألوفًا لم أعد غريبًا تمامًا، ولم أعد من أهل المكان تمامًا أيضًا كنت بين الاثنين، كأنني أقف على حافة عالمين متناقضين، لم تعد السيدة “شغب” مريضة فقط بل أصبحت تبرأ من الكتمان الذي يزعج روحها، كانت تفرغ ما تراكم في داخلها من خوفٍ وقلقٍ وسلطانٍ لا يهدأ وكانت الكلمات تخرج منها كما يخرج الماء من أرضٍ كانت محبوسة طويلاً، وفي كل مرة كانت تتكلم، كان تتمثل للشفاء. كانت امرأة شديدة الذكاء تدير القصر والدولة من الباطن ، تدرك أن القوة لا تقوم بالسيف وحده، بل بالمعلومة أيضًا. لذلك جنّدت عددًا كبيرًا من الخدم والجواري، يتناقلون إليها أخبار القصر والدولة ساعة بساعة، منذ أن أمرها المعتضد ألا تغادر جناحها، وعزلها فيه لتتولى تربية ولدها، ثم عهد إليها بعد وفاة أم القاهر بتربيته أيضًا. كانت تقيم في جناحها، لكن القصر كله كان حاضرًا بين يديها. الأخبار تصلها من كل حجرة، وكل مجلس، وكل ممر. وكانت تُنشئ ولدها على الطاعة المطلقة لها، فلا يقطع أمرًا كبيرًا ولا صغيرًا إلا بعد مشورتها.
وساعدتها في ذلك ثمل القهرمانة، التي لم تكن تفارقها إلا قليلًا، فكانت أقرب الناس إليها، تستشيرها في كثير من الأمور، وتعهد إليها بتجنيد من تراه من الخدم والجواري ممن يثبتون الولاء والطاعة. وكان المال هو الوسيلة الأضمن لكسب القلوب وتسخير النفوس.
في البداية، ارتابت “ثمل” من أمر الشيخ، وخشيت أن يكون وجوده عائقًا أمام إخفاء ما تخشاه السيدة من أسرار؛ فهي يدها اليمنى، وشريكتها في كثير من التدبير. وظنت أنه قد يكون عينًا لبعض الوزراء، أو ممن يعادون الخليفة، أو حتى رسولًا بمهمة خفية لقتل السيدة غير أن هذه الظنون لم تدم طويلًا؛ فقد أنست حديثه، ومالت إليه مع الأيام. وبعد زيارات قليلة، أخذت تجالسه في حديقة القصر أثناء نوم السيدة، ويتحادثان في شؤون شتى، حتى اطمأنت إليه، وباحت له ببعض ما كانت تكتمه عن الجميع، حتى عن السيدة نفسها ومع مرور الأيام، بدأت السيدة تشعر بخفة في جسدها، وتعافٍ تدريجي. وبعد نحو شهر، شُفيت تمامًا، حين أفرغت ما كان يثقل روحها من تأنيب وقلق، وحلّت السكينة في نفسها بعد اضطراب شكرت الحلاج، وأمرت بإعداد حجرة له في القصر ليتابع حالتها، لكنه شكرها، واعتذر، ووعدها بالزيارة بين الحين والآخر، إذ له بيت وتلاميذ. فوافقت، واستمرت زياراته كما وعد، حتى انقطع عنها بعد زمن، حين ذاع صيته بين الناس، وتفاقم أمره.
فلما تولى ولدها الخلافة، أصبحت مقاليد الحكم الحقيقية في يدها. كانت تعلم كل ما يدور في أروقة القصر، وما يُقال في مجالس الوزراء، وما يجري في قاعة الحكم. وكان الخليفة يجلس إليها كل يوم ساعات، يعرض عليها شؤون الدولة، ويستشيرها في أمور السياسة. أما الوزراء، فقد كانوا يدينون لها بالولاء؛ فهي التي ترفع هذا، وتعزل ذاك، وتدفع بابنها إلى إصدار ما تريد من الأوامر، وهو لا يكاد يرد لها طلبًا.
وإن كثيرًا من الناس أخذوا ينقمون عليها؛ لأن نفوذها تجاوز حدوده، حتى أصبحت تتدخل في تعيين الوزراء وعزلهم، وفي اختيار قادة الجيش، وشراء الذمم بالأموال، والإغراق في البذخ والإسراف. ورغم ذلك عُرفت السيدة أيضا بأعمال الخير، كإنشاء المارستان وغيره من وجوه البر.
في بداية تولي الخليفة الشاب، كان مشغولًا باللهو والجواري والمحظيات، تاركًا شؤون الدولة لمن حوله من النساء والوزراء. حتى علت أصوات العامة تطالب بعزله، وتولية أخيه القاهر مكانه، وقاد مؤنس الخادم تلك الحركة، لكنها لم تنجح إلا أيامًا قليلة، ثم استعادت السيدة سلطانها من جديد، بعدما استمالت النفوس؛ فوعدت هذا بالوزارة، وأغرت ذاك بالأموال، فعادت الدولة إلى ما كانت عليه، وانتهت المحاولة بالفشل.
ولم يعاقب المقتدر أخاه القاهر على محاولته خلعه، بل عفا عنه، وأدناه منه، وأكرمته أم الخليفة، وأغدقت عليه الأموال، وأحاطته بالجواري والشراب وأسباب المتعة، حتى هدأت نفسه، وانطفأت جذوة المنافسة في صدره.
وكان الحلاج ينظر إلى ما يجري بعين الأسى. يستنكر فساد السياسة، لكنه لم يكن يجاهر برأيه، وإن كان لا يتردد في نصح الخليفة وأمه إذا سنحت له الفرصة. وكان يشتد في مؤاخذة أصحابه ومريديه على ما آل إليه حال الأمة، ويرى أن ما يجري إنما هو ظلم للرعية وضياع لمصالحها.
وكان يحمل في قلبه مشروعًا أكبر من إصلاح دولة أو نصح خليفة؛ كان يحلم بجمع ما تفرق من أمر الأمة، وأن تجتمع تحت راية واحدة، بعيدًا عن النزاعات التي تزرع العداوة، وتسفك الدماء، وتجعل الأخ يرفع السيف في وجه أخيه.
ولم يقف حلمه عند المسلمين وحدهم، بل تجاوزهم إلى الإنسانية كلها. كان يرى أن اختلاف الأديان لا يمنع اجتماع البشر على أصل واحد؛ فالمقصد واحد، وإن اختلفت الطرق إليه، والمعبود واحد، وإن اختلفت تصورات الناس عنه. وكان يقول في نفسه إن اختلاف العقول سنة من سنن الله، وإن الإجماع الكامل على رأي واحد أمر لا يكون، فلماذا لا يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونجتمع على ما اتفقنا عليه؟
لذلك مد الحلاج يده إلى الجميع، يخاطب أصحاب المذاهب المختلفة، وأهل الديانات كافة، باحثًا عن كلمة تجمع ولا تفرق، وعن محبة تهدم أسوار الكراهية التي أقامتها العصبيات بين البشر كان يقول: كنتُ أرى كل ذلك، وأستنكره في داخلي، دون أن أجاهر به. لم أكن من أهل السيف ولا من أهل السلطة، لكنني كنت أؤمن أن إصلاح النفوس هو بداية إصلاح العالم رأيتُ أن الإنسان، في جوهره، يبحث عن معنى واحد: الحقيقة. لكنه يختلف في الطرق التي يسلكها إليها فالأديان، في أصلها، تنشد إلهًا واحدًا، لكن الناس يختلفون في صورته وتجليات فهمهم له. ولو أدركوا ذلك، لخفّ كثير من الصراع كنتُ أطمح إلى ما هو أبعد من السياسة والدولة أن يجتمع الإنسان بالإنسان، لا على أساس الدين أو العرق أو السلطة، بل على أساس الرحمة والمعرفة. لكنني كنتُ أعلم أن الطريق طويل، وأن الزمن لا يُصلح بسهولة ما أفسدته الشهوات والسلطة والخوف.
11
في إحدى الليالي بدا على الشيخ شيء من الضيق، ولم أدرِ ما سببه. كنا قد فرغنا لتوِّنا من درسه في المسجد، وقد أجاد الحديث كعادته، ثم خرج بعد صلاة العشاء واصطحبني إلى النهر. جلسنا على صخرتين متقاربتين نراقب الماء. كانت سفينة ضخمة تشق عباب النهر، تعج بالناس؛ وجوه مختلفة، وألوان شتى، ولغات لا أفهمها، وتحمل فوق ظهرها بضائع كثيرة، ولعل أكثر ركابها من التجار أطال الشيخ النظر إليها، ثم قال بصوت خافت: لماذا يبني الناس علاقتهم بربهم على الطمع والخوف؟ لماذا يُربَّى الإنسان على الرعب من النار، حتى يتخيل جلده يُشوى، ولحمه يتساقط، ثم يعود إليه العذاب مرة بعد أخرى إلى ما لا نهاية؟
ظل ينظر إلى السفينة وهي تمضي، ثم قال: في أسفاري رأيت أناسًا بسطاء، لا همَّ لهم إلا أن يعيشوا في سلام، ويأمنوا في أوطانهم. لم يؤذوا أحدًا، ولم يرتكبوا جرائم تشيب لها الرؤوس، لكنهم كانوا يدينون بأديان مختلفة… فهل يعذبهم الله جميعًا؟ ثم سكت، وكأن في صدره عبرة يأبى أن يطلقها.
قلت: إن الله عادل، وكل شيء عنده بمقدار، ولن يظلم أحدًا من عباده هز رأسه وقال: نعم… هو كما تقول. لكنني كنت أسأل أساتذتي هذه الأسئلة، فلا أجد في إجاباتهم ما يطمئن قلبي. كنت أرى الناس في البلاد البعيدة يعيشون على ما ورثوه من دين، وهم موقنون أنهم على الحق، كما نحن موقنون أننا عليه. فكيف يحكم كل فريق على الآخر بالهلاك؟ وسكت قليلًا، ثم قال:
أكثر ما يحزنني ليس اختلاف الأديان، بل امتلاء القلوب بالحقد، حتى صار الإنسان يسارع إلى إدانة أخيه، ويحكم عليه بالعذاب الأبدي. إن الظلم ليس ظلم الله لعباده، وإنما ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، حين يقوده جهله وأنانيته، فيتكلم باسم السماء وقلبه مظلم. كنت أستمع إليه مأخوذًا بمنطق قلبه قبل منطقه، وأزداد له احترامًا كل يوم. لم أسمعه يومًا يكفِّر أحدًا، ولا يقضي لإنسان بجنة أو نار. كان يقول إن القلوب هي الطريق إلى الله، وإن الرحمة أوسع من أن يضيق بها دين أو مذهب أو طائفة. وكان يؤمن أن من امتلأ قلبه بالمحبة، ومد يده إلى الناس، فلن يرده الله خائبًا.
استيقظت كعادتي في الصباح الباكر، وتوجهت إلى المسجد الجامع لأتلقى بعض دروس الفقه. جلست في حلقة أحد الشيوخ، وكان يشرح أبواب المواريث. أجاد الشيخ عرضها، وأفاض في بيان الحكمة من تقسيمها؛ لماذا يأخذ الرجل ضعف نصيب المرأة في بعض الأحوال؟ ولماذا يرث الوالدان إذا كانا على قيد الحياة؟ وكيف يختلف الميراث إن كان للميت ولد أو لم يكن له ولد؟ ثم مضى يبين دقائق المسائل، حتى أسر عقول طلابه بما أوتي من علم غزير وحسن بيان. ولما انتهى الدرس، رفع أحد الطلاب صوته وقال:
ما حكم الدين، سيدي الفقيه، فيمن يقول: «أنا الحق»، أو يقول: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا»، ويقصد بذلك الذات الإلهية؟ ساد الحلقة صمت مبهم، فقد كانت أقوال الشيخ، قد بدأت تنتشر بين الناس، وتناقلت الألسنة أقوالًا منسوبة إليه، واختلفت في تأويلها والحكم عليها وما إن انتهى الطالب من سؤاله حتى انطلقت الأصوات من كل جانب؛ هذا يرميه بالكفر، وآخر يتهمه بالإلحاد، وثالث يصفه بالباطنية، ورابع ينسبه إلى المجوس، وتعالت الدعوات إلى محاسبته قبل أن يفتن الناس بكلامه.
رفع الشيخ يده طالبًا السكون، فلما هدأت الأصوات قال: إن أحكام المرتد، ومن يقول بالحلول أو الاتحاد، لا تُبنى على كلمات تُنقل مجردة، بل يُنظر إلى قصد قائلها، فإن ثبت أنه أراد معناها الكفري استتيب، وإلا فلا يجوز التسرع في الحكم عليه.
غير أن كلامه لم يطفئ نار الجدل، فقد تدخل عالم آخر من علماء الفقه، وقال بلهجة حاسمة: من نطق بمثل هذا القول فقد كفر كفرًا صريحًا، ويجب أن يُردع قبل أن تنتشر فتنته بين المسلمين. عندها انقسمت الحلقة، ثم امتد الخلاف إلى أطراف المسجد، وتعالت الأصوات، واختلطت مناقشات الطلاب بفتاوى العلماء، حتى بدا المسجد كله يغلي كقدر على النار.
خرجت من المسجد، وما تزال ضوضاء الجدل تطن في أذني، ومضيت إلى موضع عند النهر، حيث اعتاد الشيخ أن يخلو بنفسه. فلما بلغت المكان وجدته جالسًا يتأمل الماء في سكون. رفع بصره إليَّ، ثم قال: اجلس… وانظر إلى الماء كيف ينساب. وصدق الله العظيم﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾.
جلست، وكان الخوف يملأ وجهي، والحيرة تثقل صدري. رويت له ما دار في المسجد، وما قاله العلماء والطلاب، وانتظرت أن أرى على وجهه أثرًا للقلق، لكنه ظل ساكنًا كما هو. ، ثم قال: لا تَرَعْ مما يقول الناس فيَّ. فما كنت يومًا أطلب رضاهم، ولا أخشى سخطهم قدر الله نافذ، ولا ينجي الحذر من القدر لم يمر وقت طويل على حادثة المسجد حتى طلب مني الشيخ أن أذهب إلى السوق لأشتري له بعض ما يحتاج إليه من طعام وأوراق. وما إن دخلت السوق حتى فوجئت بلغط شديد، ووجدت اسم الحلاج يتردد على ألسنة الباعة والوراقين، ومن يفد إليهم من طلبة العلم. كان حديث الناس كله يدور حوله، وما يُنسب إليه من أقوال استنكرها كثيرون قال أحد الواقفين: من يقول: «سرُّ سنا ناسوته» لا بد أنه متأثر بعقائد المجوس، دين النور والظلمة. لقد جاب البلاد، فعاد إلينا بأفكارها يريد أن يلبس الحق بالباطل، ويُفسد عقائد الناس. فرفع أبو عبيدة، صاحب أحد أشهر دكاكين الوراقين، رأسه وقال بهدوء: أعرف الرجل منذ سنوات، فما رأيت منه إلا عقيدة راسخة، وحبا لدين الله. ما دعا الناس إلا إلى المحبة، والزهد، وإصلاح القلوب. كان يقول إن الإنسان إذا صلح قلبه صلح عمله، وإن الرحمة أولى من القسوة.
فقال عمرو وهو أحد الطلاب الذين يتزعمون حملة ضد الشيخ: لكنه يقول: «أنا الحق». أفتجد لهذا عذرًا؟ قال أبو عبيدة: وهل سمعتها منه بنفسك؟ أجاب الرجل: لا، ولكن من أثق بهم سمعوها. قال أبو عبيدة: إذن فأنتم تحاكمون رجلًا على كلام لم تسمعوه منه. وهل سأل أحدكم عما أراد؟ أم أنكم وجدتم التأويل قبل أن تعرفوا القصد؟ ثم أضاف: والله ما عرفته إلا محبًّا لله، يرجو رحمته، ويخاف معصيته، ويدعو الناس إلى الخير. فإن أخطأ في لفظ، فليس العدل أن نهدر الرجل كله من أجل كلمة لم نفهمها. هز عمرو رأسه في ضيق، وانصرف دون أن يشتري شيئًا، بينما عاد أبو عبيدة إلى ترتيب كتبه وكأن الحديث قد انتهى.
اشتريت ما طلبه الشيخ، ثم مررت بأسواق أخرى، فكنت كلما دخلت سوقًا سمعت اسم الحلاج يتردد فيه؛ مرة على ألسنة التجار، ومرة بين الفقهاء، ومرة في أحاديث العامة. عندها أدركت أن الأمر تجاوز مجالس العلم، وأن الشيخ صار حديث المدينة كلها، وأن الريح التي بدأت همسًا أخذت تتحول إلى عاصفة. بدا لي أن أذهب إلى الشبلي، لأخبره بما سمعت، ولأستشيره: أأخبر الشيخ بما يتناقله الناس عنه، أم أكتم الأمر حتى لا أزيده همًّا؟
مضيت إلى الموضع الذي اعتاد الجلوس فيه، عند زاوية هادئة من النهر، حيث يخلو بنفسه، أو يجلس مع الشيخ، أو يستقبل بعض مريديه المقربين. وجدته غارقًا في تأمله، وعيناه معلقتين بالماء الجاري، كأنه يقرأ في انسيابه ما لا يقرأه الناس في الكتب. وكان خرير النهر ينساب من حوله فيبعث في النفس سكينة غريبة. وقفت غير بعيد عنه، ولم أشأ أن أقطع عليه خلوته. وبعد برهة، أحس بوجودي، فالتفت إليَّ وقال: ماذا وراءك؟ ما جاء بك في هذا الوقت إلا أمر يشغل قلبك… لعله خير؟
قصصت عليه ما دار في سوق الوراقين، وما سمعته من الناس، وكيف صار اسم الشيخ يتردد في كل مجلس ظل صامتًا لحظات، ثم قال: إن شيخك ماضٍ إلى ما هو ماضٍ إليه قلت: ألم تقل من قبل إنه يسير في طريق لا يستطيع الرجوع عنه؟
قال: نعم… وحتى لو استطاع، فلن يرجع. إنه يعرف الطريق الذي يسلكه، ويقبل عليه بكل قلبه ثم نهض وقال: هيا بنا إليه. سننبهه إلى ما يقال، فإن لم يرجع، فلعله يخفف من مخالطة الناس حتى تهدأ الفتنة. ذهبنا إلى بيت الشيخ، فأعددنا طعاما، وانتظرنا عودته، لكنه تأخر على غير عادته نظر الشبلي إلى السماء، ثم قال: سأعود غدًا بعد العشاء، وأحادثه فيما سمعنا وانصرف. وبقيت وحدي، أفكر في أمر الشيخ، وفي ذلك السيل الجارف من الأقوال التي تدور حوله. لم يكن خوفي عليه وحده، بل على الناس أيضًا؛ كيف تتحول مسائل الدين إلى خصومات، وكيف يغدو كل فريق مقتنعًا بأنه وحده يملك الحقيقة، فلا يترك لمخالفيه إلا الاتهام والخصومة والتشهير. وإذا كان هذا حال طلاب العلم، فكيف يكون حال العامة، ممن يأخذون دينهم من أفواه المتخاصمين؟
وضعت القلم جانبًا، وأغلقت دواة المداد، ثم تمددت على الأرض، وقد أثقل التفكير رأسي. ظلت الأسئلة تتزاحم في داخلي، حتى غلبني النوم دون أن أشعر. ولم أفق إلا على خيوط الشمس، وقد تسللت من نافذتي، تلامس وجهي برفق، كأنها توقظني إلى يوم يحمل ما هو أثقل من كل ما مضى.
12
وصل إلى مسامع القصر ما يدور في الأسواق من جدل حول الحلاج، وما نشب بين الناس من خلاف بشأن أقواله وأحواله. فدخل الوزير على الخليفة وأخبره بما يتردد في بغداد من حديث عنه، وقال: إن كثيرًا من الناس قد التفوا حول هذا الرجل، وأصغوا إلى كلامه، ومالت إليه قلوبهم، حتى صار له سلطان على نفوسهم. ولو أمر بعضهم بشيء لاستجابوا له طائعين. وفي المقابل، هناك فريق آخر يعاديه ويخشى استفحال أمره بين العامة، ويرى فيما يقوله خطرًا على عقائد الناس، ويزعم أن كلماته بدع لم يألفها المسلمون من قبل. استمع الخليفة إلى حديث وزيره في هدوء، ثم خفف من مخاوفه قائلًا إن الأمر لا يستدعي كل هذا القلق، فالرجل ــ فيما يظهر له ــ لا يملك سوى كلمات يبعث بها الطمأنينة في قلوب الناس فتخفف عنهم أعباء الحياة وهمومها.
وكان الخليفة مترددًا في اتخاذ أي موقف، وهو يعلم أن أمه السيدة شغب تكن للحلاج احترامًا كبيرًا، وتطمئن إليه، وتقربه منها، لا سيما بعد ما شاع بين الناس من أنه كان سببًا في شفائها من مرض ألمّ بها. لذلك رأى أن يستشيرها فيما يقال عنه. انصرف الوزير، ولم تمضِ ساعات حتى دخل الخليفة على أمه، فقبّل يدها وجلس إليها. وتحادثا في شؤون الدولة وما يحيط بها من مخاوف وعقبات، ثم عرّج على ذكر الحلاج وكأنه يثير الأمر عرضًا لا قصدًا. فما كان من السيدة شغب إلا أن هونت عليه الأمر، وقالت إنها تعرف الرجل حق المعرفة، وإنه لا يشكل خطرًا على سلطان ولا دولة، ولو رأت فيه ما يدعو إلى الريبة لما أخفت ذلك عنه. اطمأن الخليفة إلى كلام أمه، وصرف ذهنه عن القضية، ولم يعطها من الاهتمام أكثر مما تستحق. لكن الوزير لم يقتنع بهذا الرأي. فقد كانت عيونه وآذانه المنتشرة في المجالس قد نقلت إليه أن عددًا من العلماء يعترضون على الحلاج أشد الاعتراض، وأن بعضهم يتهمه في مجالسه الخاصة بالكفر والإلحاد، وإن كانوا يتجنبون التصريح بذلك أمام الناس.
ولهذا دعا جماعة من العلماء إلى مجلسه، وجلس إليهم كما اعتاد أن يجالس أهل العلم ويستمع إلى آرائهم. فلما أوشك المجلس على الانتهاء، استبقى ثلاثة منهم بعد ممن عرف عنهم معادتهم للشيخ، انصراف الباقين نظر إليهم الوزير وقال: أريد من كل واحد منكم أن يصرح بما عنده، دون خوف أو مداراة. ما رأيكم في الحلاج؟ وما حكم ما يدعو إليه؟
تبادل العلماء النظرات، ثم أخذوا يتحدثون واحدًا بعد الآخر. قال أولهم: إن الأمر خطير، والرجل يبشر بأقوال لم تأت بها شريعة ولا عرفها أهل الإسلام. وقال الثاني: إن في شعره وكلامه ما يدل على القول بالحلول والاتحاد، وهي عقائد لا يقول بها مسلم صحيح الاعتقاد. وأضاف الثالث: وخطره لا يقف عند حدود القول، بل يتجاوز ذلك إلى تأثيره في الناس. فأتباعه يزدادون يومًا بعد يوم، فإن تُرك وشأنه اتسع أمره وعظم شأنه. ثم قال بعد لحظة صمت: الواجب أن يُستتاب ويُمتحن فيما يعتقد، فإن أصر على ما يقول كان للقضاء كلمته فيه.
ظل الوزير يستمع إليهم دون أن يقاطع أحدًا. وحين فرغوا من كلامهم قال: أرجو أن يبقى ما دار في هذا المجلس بيننا سرا، لا يعلم به أحد حتى أهل بيتك، حتى نتبين الأمر أكثر ونعرف حقيقة ما يضمره هذا الرجل وافق العلماء، ثم انصرفوا وبقي الوزير وحده في مجلسه، غارقًا في التفكير.
لقد سمع من العلماء ما يؤيد مخاوفه، لكنه كان يعلم أن الخليفة لن يقتنع بمجرد الظنون والاتهامات. وكان لا بد من دليل أو حادثة أو شهادة تجعل الخطر الذي يراه ظاهرًا للعيان، نهض من مكانه، وسار بضع خطوات في أرجاء القاعة، ثم توقف عند النافذة المطلة على بغداد. وفي ذهنه سؤال واحد لا يفارقه: كيف يمكن إقناع الخليفة بأن الحلاج ليس مجرد رجل يقول كلمات غامضة، بل خطر قد يمتد أثره إلى الدولة نفسها يزعزع أركانها؟
13
جاء الشبلي في ساعةٍ متأخرة من الليل، على غير عادته. لم نكن نعهده يأتي في مثل هذا الوقت. طرق الباب، وكنت غارقًا في النوم، بينما كان الشيخ في حجرته قائمًا يصلي ويقرأ أوراده. نهضت متثاقلًا، وعيناي لا تزالان مثقلتين بالنعاس، ومضيت إلى الباب ففتحته. كان الشبلي واقفًا بوجهٍ شاحب، وكأن خبرًا ثقيلًا يحمله في صدره. لم يلقِ سلامًا، بل دخل مسرعًا إلى الشيخ. انتظر حتى فرغ من ورده، ثم جلس أمامه. نظر الشيخ إليه نظرةً طويلة، كأنه علم منها سبب مجيئه قبل أن ينطق. قال له بهدوء: لن تكفَّ حتى يسجنوك يا حلاج. رفع الشبلي عينيه إليه وقال: كأنك تنتظر هذه اللحظة. لم تتطرأ على الشيخ أي تغيير في ملامحه الهادئة، ولم يجب. قال الشبلي: إنك تحدث الناس بما لا يجب، يا حسين. إنهم أعجز من أن يدركوا مقاصدك. لم يعد هناك بيت في بغداد إلا وصارت كلماتك حديث أهله. وقد سمعت أن بعض علماء الشريعة يدبرون لك مكيدة عند الخليفة، ليأمر بسجنك، وربما بما هو أشد من ذلك.
سكت لحظة، ثم اقترب منه وقال: اذهب إلى البصرة أو مكة حتى تهدأ الأمور. لك في كل مكان مريدون وأصحاب، وستكون بعيدًا عن يد الخليفة وأعوانه. ربما تمضي أشهر أو سنة، ثم تهدأ الألسن، وينطفئ هذا الغضب قبل أن يستفحل. إنهم قد يلفقون عليك أمرًا قد يجعل الخليفة يبطش بك. نظر الشيخ إليه طويلًا، ثم قال: لن أترك بغداد تعجب الشبلي وقال: أتدرك ما تقول؟ قال الشيخ: ليس الأمر أمر حياة أو موت. إنها دعوة لا بد أن أؤديها. لن أنتصر بكثرة الأعوان ولا بعدد المريدين، فإن لم يكن النصر بالحق فلا نصر.
أطرق الشبلي رأسه وقال بحزن: لقد اخترت الطريق الوعر يا حسين. لم يجب الشيخ. ظل ينظر من النافذة إلى ظلمة الليل، كأنه يرى طريقًا لا يراه أحد غيره. انصرف الشبلي حزينًا، منكّس الرأس، يحمل في قلبه غصة العارف بعناد صديقه، والخائف من المصير الذي يقترب منه. التفت إليَّ الشيخ وقال: اذهب يا بني، وأكمل نومك، واتركني وحدي. عدت إلى فراشي، لكنه لم ينم. بقي جالسًا يحدث نفسه بصوتٍ خافت بالكاد أسمعه: ما دخلت السياسة في الدين إلا أفسدته. ولا دخل الدين في مطامع السلاطين إلا خرج مكسورًا. كان يرى الوجوه التي تمر من حوله، فيرى خلفها خوفًا وطمعًا وتصديقًا أعمى.
وظل يحدث نفسه: يلتقي أهل السلطان بأهل الدين، ولكلٍّ منهما شهوته؛ هذا يريد تثبيت ملكه، وذاك تضعف نفسه أمام الدنيا، فيتحالفان… ويخسران معًا، توقف لحظة، كأن فكرةً مؤلمة عبرت قلبه، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة. العامة لا ترى إلا الصوت العالي، فإذا صرخ الشيخ، اصطفوا خلفه، يظنون أن صوته من السماء، وهو في كثير من الأحيان صدى لمن يدفع أكثر، أطرق رأسه، وقد أثقلته رؤيته: يُحرَّم الحلال، ويُحلَّل الحرام، وتُقلَب الحقائق، وتُخاض الحروب… باسم الله، رفع عينيه إلى السماء، كأنه يسألها: أيُّ طريقٍ هذا الذي يسلكونه؟
ثم خرج من العمران، ومضى نحو النهر، المكان الذي كان يلجأ إليه كلما ضاقت به الدنيا جلس على صخرةٍ يعرفها، وأغمض عينيه… الصمت كان الحقيقة الوحيدة التي لا يستطيع أحد تزويرها شعر أن جسده النحيل يزداد خفة، وأن الجوع الذي أضناه لم يعد عبئًا عليه، بل كأنه يحرره من أثقال كثيرة همس كأنه يقر بسرٍّ لا ينبغي أن يُقال ما أشد ما وجدت في كتاب الله من عزاء لقد جعل للعقل مقامًا لا يطاله صخب الجموع. فتح عينيه، وكأنه أدرك بقلبه دون أن يخبره أحد، أن الطريق الذي اختاره… لن يُترك له حتى النهاية.
في اليوم التالي، أدركتُ خوفَ الشبلي الشديد بالأمس حين خرجت إلى السوق لقضاء بعض أغراضي. فقد نشب هناك نزاع بين فئتين من الناس حول الحلاج، ولم يكن الأمر قبل ذلك قد بلغ هذا الحد. لم يعد مجرد اختلاف حول ما يقوله الشيخ، بل بدا كأنه حرب صغيرة تتشكل بين الناس. عدتُ إلى البيت لأخبر الشيخ بما رأيت، لعلّه يستمع إلى ما حذّر منه الشبلي؛ أن بعض الكلام لا ينبغي أن يُلقى أمام العامة إذا لم تستوعبه عقولهم، وأن يُخصّ به أهل الفهم من المريدين والمقرّبين الذين يدركون نبل مقاصده.
وجدتُ الشيخ منزويًا في أحد أركان الحجرة، غارقًا في تفكير عميق، كأن عقله وقلبه كانا في عالم آخر. لم يشعر بدخولي. هممتُ أن أتراجع وأتركه، لكن الأمر كان جللًا، والخطر بدا قريبًا انتبه إليّ، فقلت: يا سيدي إن الأمر يبدو أنه يخرج عن طوره.
رفع الحلاج رأسه ببطء، وكانت عيناه هادئتين على غير ما يوحي به الخبر قال: ما بك؟ قلت: رأيت اليوم في السوق بعض الناس تتراشق بالالسنة والأيدي حول ما تقول. أشار إليّ أن أقترب، اجلس يا بني: فما يُقال في السوق ليس إلا بعض ما يدور في صدور الناس، جلست، لكن اضطرابي لم يهدأ.قلت: لكنهم غاضبون، كأنهم يستعدون لشيء.
تنهد الشيخ، ثم نهض يتمشى ببطء. وكيف لا يغضبون؟ والعالم من حولهم يقف على فوهة بركان؟ نظرت إليه، فتابع وقد بدأ صوته يشتد، الحرب في كل مكان، بين الدول، وبين الناس، وحتى داخل الدين الواحد، ثم التفت إليّ فجأة وقال: أخبرني ما الفرق بين سيفٍ يُرفع باسم ملك، وسيفٍ يُرفع باسم الله؟
ارتبكت عند سماع كلمة السيف، لا أدري يا سيدي. إن كان كلاهما يطلب الدم… فهل يختلف أحدهما عن الآخر؟ صمت قليلًا، ثم أكمل تتار، وفرس، وأكراد، سُنّة وشيعة وأديان لا تُحصى، وفرق تتوالد كل يوم كلٌّ يقاتل… أتدري ما الذي يحيرني؟ أنهم جميعًا… يؤمنون بالله لكنهم…
.. الدين؟ لو كان الدين دمًا… لما بقي على الأرض حيًّا الأرض واسعة… تسعهم جميعًا، لكن قلوبهم ضاقت حتى لم تتسع إلا لكراهية بعضهم. وهم في النهاية لن يأخذوا من هذه الأرض إلا قبورًا ضيقة، يتزاحمون فيها كما تزاحموا فوقها. سألته وقد بدأ كلامه يهزني: أهي نهاية العالم يا سيدي؟ بل هي نهاية عقل الإنسان حين يختار أن يلغي عقله بيده ثم عاد يتمشى، وخفت صوته. أتقول هذا حقًا؟ أقوله لأنني رأيته لم يسفكوا دمًا… ولم يحملوا حقدًا بينما غيرهم يقتل، ثم ينام مطمئنًا أنه إلى الجنة ذاهب. إلي أيُّ جنةٍ هذه التي يُعبد الله فيها بالقتل؟ يا بني الناس لا يكرهون الله، بل يبحثون عنه لكنهم يضلّون الطريق إليه. لأنهم يخافون والخائف يبحث عمّن يقوده، ولو إلى الهاوية. قلوبهم تريد النور وكيف؟ لكنهم يُساقون إلى الظلام باسم النور ولماذا لا يهديهم الله ولو شاء… لفعل ؟ لكنه خلق الإنسان حرًّا والحرية امتحان قاسٍ.
وأين الحق يا سيدي؟ مع من يكون؟ لو كان الحق مع جماعة لانتهى الخلاف منذ زمن نظر إليّ بثبات الحق يا بني أقرب إلى قلبٍ رحيم، منه إلى سيفٍ مرفوع ارتجف صوتي أخاف عليك قال بهدوء وأنا أخاف عليهم لأن من يقتل باسم الله لا يدري أنه أول من خسره ساد الصمت وكان الصمت هذه المرة… أبلغ من كل ما قيل.
14
في القصر، كان الوزير يعد خططه، ويترقب الفرصة التي تدفع الخليفة إلى إصدار أمر بحبس الحلاج، كثرت اجتماعاته بالفقهاء، ولا سيما أولئك الذين عُرفوا بعدائهم للشيخ. فمنهم من رأى في أقوال الحلاج خروجًا على الدين، ومنهم من كان الحقد يأكل قلبه؛ إذ أخذ نفوذ الشيخ يزداد يومًا بعد يوم، وتكاثر مريدوه حتى غدا من العسير حصرهم. وكان بعض رجال القصر يغارون من منزلته عند أم الخليفة، ويرون أنه يحظى لديها بمكانة لا يحظى بها غيره.
ولم يكن احترام الحلاج مقتصرًا على بعض الخاصة، بل امتد إلى كثير من موظفي القصر، حتى أصبحوا يعدونه قدوة، أما العبيد والجواري المحيطون بالملكة، فقد كانوا يرونه طبيبًا لقلوبهم وأرواحهم، يلجؤون إليه كلما ضاقت بهم الدنيا. وبعد مجالس سرية متتابعة، اتفق الوزير مع نفر من علماء الشريعة على الإطاحة بالحلاج. ورأى أن خير وسيلة لذلك هي إثارة طلاب العلم في المسجد الجامع، وتأجيج الخصومة بين مؤيدي الشيخ ومعارضيه، حتى يعم الهرج في بغداد، ويغدو اسم الحلاج على كل لسان، فيسهل إقناع الخليفة بأنه مصدر الفتنة
ولم تمض أيام حتى بلغ الخليفة ما يحدث في حلقات العلم من جدال وصدام، دخل الوزير عليه، فقال الخليفة أما علمت بما يحدث حول الحلاج؟ قال الوزير بلى يا أمير المؤمنين، فلم لم تخبرني؟ قال في هدوء لقد أخبرتك من قبل، وحذرتك من خطر الرجل، ولكنك رأيت يومها أنه لا يشكل تهديدًا للدولة، قال الخليفة نعم، ولكن الأمر قد تغير، إن للحلاج أتباعًا في كل مكان، حتى بين جنبات هذا القصر. وقد اتسع نفوذه، وصار الناس يعاملونه معاملة الملوك، لا بما يملك من سلطان، ولكن بما يملك من سلطان على القلوب. فإن لم نكبح جماحه، خفت أن يثور بمن معه، فيقلق أركان الدولة ويصدع بنيانها. وإن لم يقصد الثورة، فإن اضطراب البلاد وحده يكفي لأن يطمع فيها أعداؤها ورأى الوزير في كلمات الخليفة لينًا لم يألفه، فقال: وما ثورة الزنج عنا ببعيدة، وقد رأيت ما جرته على الدولة من خراب، وما استنزفته من الأموال والرجال قبل أن تخمد نارها وقف الخليفة شاردًا يفكر. لم يكن يستهين بكلام الوزير، لكنه كان يعلم أن أمه لن ترضى أن يمس الحلاج بسوء، فراح يتدبر أمرًا يجمع بين حفظ هيبة الدولة وتجنب غضبها ثم قال أمهلني إلى الغد، حتى أبت في أمر الحلاج انصرف الوزير، وبقي الخليفة وحده، غارقًا في التفكير، يتساءل: كيف يقنع أمه؟
ولم تمض ساعة حتى دخلت أم الخليفة فلما رأته واجمًا قالت ما لي أراك مهمومًا يا بني، قال: لقد استفحل أمر الحلاج، وصار حديث الناس في كل مجلس. وأخشى أن يزداد نفوذه حتى يهدد استقرار الدولة. فما رأيك سكتت قليلًا، ثم قالت في هدوء إذن لا بد من فعل يطفئ الفتنة، لا يزيدها اشتعالاً أحضره إلى القصر، وأعد له محبسًا يليق بمكانته في أحد أطرافه، فيكون تحت بصرك حتى تهدأ الأمور، ويكف الناس عن إثارة اسمه. إن الرجل، في نظري، كطبيب يحاول أن يداوي أمراض القلوب، وإن أخطأ الناس فهم دوائه. فلا تجعل الجنود يؤذونه، وليعامل بما يليق بمكانته، ولا تمنع عنه أهله ولا خواص أصحابه تهلل وجه الخليفة وقال: نعم الرأي ما أشرتِ به يا أماه. غدًا آمر بإعداد محبسه، وأبعث من يأتي به إلى القصر، حتى يجعل الله بعد ذلك أمراً.
بعد ان غادرت أم الخليفة بقي الخليفة غارقًا في التفكير؛ كيف يقبض على الشيخ؟ وكيف يحاكمه؟ فقد كان للحلاج أتباع كثيرون، ولم يكن يريد إثارة العامة أو إشعال بلبلة تزيد الأمر اضطرابًا. كان يريد أن يبدو كل شيء طبيعيًا، بعيدًا عن التهور استدعى الوزير، وأخذا يتداولان الأمر. وكان قد اطمأن إلى أن كبار الفقهاء يقفون في صفه، يؤازرونه، ويلحون عليه في أمر الحلاج فأمر بعض الجنود بإعداد الغرفة التي سيقيم فيها الشيخ أيام حبسه، وأمر آخرين بالبحث عنه والإتيان به. كما أوصى الوزير الحراس ألا يمنعوا الزيارة عمن أراد من خاصته وتلاميذه وبعض مريديه، على أن تكون في أوقات وأيام محددة.
كنت أجلس مع الشيخ في بيته، يملي عليَّ فأكتب ما يقول. وكنت أسأله أحيانًا عن بعض المعاني الغامضة، فيجيبني بمعنى أشد غموضًا، فلا أزيده سؤالًا، كما أوصاني من قبل وفي الهزيع الأخير من الليل، طرق الباب نظر بعضنا إلى بعض في دهشة. فمن يأتي في مثل هذه الساعة؟ لم يكن الشبلي قد اعتاد المجيء في هذا الوقت المتأخر ولم تكن هذه طرقاته، غير أن الشيخ أرتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، وأشار إليَّ أن أفتح الباب فتحت، فإذا بجنود الخليفة يسألون عن الشيخ نهض الحلاج في سكينة، كأنه كان ينتظرهم منذ زمن، ثم مضى معهم دون اعتراض أو سؤال اقتادوه إلى القصر، وأدخلوه الغرفة التي أعدت له، وقالوا إن احتجت شيئًا فأخبر الحارس، يأتك بما تشاء من طعام أو شراب أغلقوا الأبواب وانصرفوا وقبل أن يبتعدوا، طلب منهم ماءً للوضوء أحضروا له ما طلب، ثم تركوه حتى الصباح هل كان الشيخ يدري ما يخبئه له الغد؟ غير أن شعورًا عميقًا استقر في قلبه بأنه لن يخرج إلى حياة الناس ثانية ولم يحزن لذلك بل رضي بقضاء الله في أمره، واستقبل ليلته بسكينة، من عرف أن لكل طريق نهاية، وأن ما في علم الله لا محالة واقع.
15
في الليلة التالية لحبس الشيخ، ذهبتُ أنا والشبلي لزيارته. فتح لنا الحارس الباب وأدخلنا، ثم التفت إلينا عند خروجه وقال إذا أردتما الخروج، فاطرُقا الباب ثم انصرف كان الشيخ جالسًا في زاوية الزنزانة، فجلس الشبلي عن يمينه، وجلستُ أنا قبالته. لم يبدُ عليه أثر خوف أو هلع، كأن الحبس لم يغيّر فيه شيئًا نظر إليه الشبلي طويلًا، نظرة يملؤها العتاب، ثم قال كأنك لا تبالي بأمر حبسِك قال الشيخ: ومتى، يا ومتى يا شبلي، أبالي بأمر جسدٍ مسجون؟ ما دامت روحي حرة طليقة، فلا أخشى شيئًا.
قال الشبلي إنك تُلقي بنفسك إلى التهلكة قال الشيخ التهلكة أن أعيش بجسد لا تسكنه روح، وأن أكون أجوف لا يحمل قلبي معنى، أتريدني أن أحدثهم على قدر عقولهم، فأحني رأسي لرياح الجسد، وأحسب أنني نجوت؟ ماذا يبقى مني إذا فعلت؟ هل تبقى الروح قائمة فيه، أم تغادره بلا رجعة؟ عندها أكون قد خسرت كل شيء. إن الطمع والسلطة والخوف هي التي تقود العالم، ونحن نريد أن نخلص الناس منها، لا أن ننحني لها. نريد أن نرفعهم، لا أن نهبط نحن إليهم. يا شبلي… يجب أن نتحرر جميعًا اقترب الشبلي منه، وكأنه يرجوه، وقال قل ما يُفهم… لا ما يُؤخذ عليك نظر إليه الحلاج، ثم قال وهل يُفهم النور… لمن اعتاد الظلام؟ خفض الشبلي رأسه وتابع الحلاج بصوت أكثر هدوءًا يا شبلي… الناس جميعًا يسعون إلى الله، لكنهم يضلّون الطريق إليه، قال الشبلي: لأنهم ضعفاء، قال الحلاج لأنهم خائفون، والخائف يبحث عمّن يقوده، أخاف على الحقيقة… أم على نفسي؟ لم يجب الشبلي فتابع الحلاج: ليست المشكلة أنهم يبحثون عن الله، بل أنهم يقتلون بعضهم وهم في الطريق إليه، قال الشبلي وهذه عقيدتهم أجاب الحلاج بل خوفهم… في صورة عقيدة ساد الصمت من جديد ثم قال الشبلي بصوت متعب وأين الحق إذن أغمض الحلاج عينيه لحظة، ثم قال الحق ليس حيث يجتمع الناس، بل حيث يصفو القلب. هو أقرب إلى رحمة صادقة، منه إلى سيف مرفوع تنهد الشبلي وقال كلامك هذا… سيقتلك، قال الحلاج، وفي عينيه سكون عجيب بل هو ما أبقاني حيًّا ما ضرّني إن مت… وقد وصلت؟ نظر إليه الشبلي، وكأنه يراه لأول مرة، وقال إلى ماذا وصلت؟ رفع الحلاج عينيه، كأنهما تبصران ما وراء الجدران، وقال إلى نور… لا يُخاف معه فقدان شيء، ثم نهض الشبلي وقال: أخشى أن يطفئوه: قال الحلاج النور… لا يُطفأ، وقف الشبلي عند الباب، ثم التفت إليه وقال وأخشى أن يطفئوك أنت فأجابه الحلاج: إن أطفؤوا الجسد… فقد تركت ما لا يُطفأ ثم التفت إليَّ، وقد كنت أنصت إلى حديثهما، وقال إذا جئت غدًا، فأحضر معك بعض الأوراق، واستأذن في المجيء إليَّ باكرًا، فإني أريد أن أملي عليك ما بدأناه قلت سمعًا وطاعة، قال اذهبا الآن، فقد تأخر بكما الوقت طرقنا الباب، فجاء الحارس وفتحه لنا، فخرجنا ساقتنا أقدامنا إلى النهر، إلى المكان الذي كان الشيخ يؤثره كلما أراد أن يخلو بنفسه قال لي الشبلي وهو ينظر إلى الماء إن الشيخ لن يتراجع عما عزم عليه، ولو كان في ذلك نهايته كان خرير الماء، في سكون الليل، يبث في النفس شيئًا من الطمأنينة قلت لعل الأمور تتغير، ويكون مصيره غير ما نتوقع نظر إليَّ صامتًا، ثم أطرق برأسه وظللنا نصغي إلى خرير الماء طويلًا، لا يتحرك منا أحد، حتى مضى كلٌّ منا في طريقه.
16
انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وأصبح نبأ سجن الحلاج مدارَ الحديث في كل مكان؛ في المساجد، وبين الشيوخ والطلبة، وفي المجالس والأسواق. وانقسم الناس حوله؛ فمنهم من رآه كافرًا مدعيًا، ومنهم من عده متصوفًا تغلبه أحوال الجذب، فيقول ما لا يُفهم على ظاهره، أو يتحدث بلغة صوفية لا يدرك أسرارها إلا أهلها.
واشتد علماء الفقه والشريعة في الإنكار عليه، وتعالت الأقوال والأشعار التي كانوا يستشهدون بها لتكفيره أمام الخاصة والعامة. وارتفعت الأصوات حتى كادت تتحول إلى اشتباك بالأيدي، ثم انفض الجمع، وكل فريق يلعن الآخر. أعرضت الوجوه عن الوجوه، وتبادلت العيون نظرات النفور والاتهام، وانصرف الجميع مثقلين بالغضب.
وفي السوق كانت الأصوات أعلى وأكثر حدة؛ انقسم التجار والباعة والزبائن، حتى صار الرجل إذا قصد شراء شيء أعرض عمن يخالفه الرأي، أو قاطعه بحدة. وكنت أطوف بين أروقة السوق أستمع إلى ما يدور، لأنقل إلى الشيخ ما يقوله الناس؛ فقد طار ذكره في بغداد، وأصبحت أقواله فتنة تتردد على كل لسان. ولم تخلُ البيوت هي الأخرى من الجدل؛ بين معارض ومشفق، وكانت الأخبار تنتقل من مسجد إلى سوق، ومن سوق إلى بيت، حتى غدت قضية الحلاج الشغل الشاغل للناس.
وصنع الفريقان حول الشيخ هالة واسعة؛ فلم تخلُ روايات المؤيدين ولا اتهامات الرافضين من الإشاعات والمبالغات، حتى تحول في أذهان الناس إلى أسطورة. فمنهم من زعم أنه أخرج فاكهة الصيف في الشتاء، ومنهم من قال إنه شفى المرضى، أو أخرج الدراهم من يديه، وكثرت الأحاديث عن كراماته، فتعلق به المرضى والفقراء وطالبو البركة، بينما نابذه آخرون، ووصفوه بالدجال الذي يغوي الناس بفصاحة لسانه، ومنطقه، وحديثه عن الحب والعشق الإلهي.
ولم تقف أصداء تلك الفتنة، حيث أخذت الهمسات تتردد بين رجال الدولة ونسائه، فكان منهم من يميل إلى الحلاج، ومنهم من يراه خطرًا يجب التخلص منه، وإن غلب التعاطف عليه في تلك الأيام. كانت شغب تجلس، تحيط بها الوصيفات، حتى إذا دخلت ثَمَل، انصرفت النسوة جميعًا. جلست ثمل إلى سيدتها، وأخذت تنقل إليها ما يدور في بغداد من أحاديث عن الشيخ، ثم قالت إن الوزير ربما يكون قد أحكم نسج شباكه حول الحلاج، ودفع بعض العلماء إلى تكفيره، تمهيدًا لاستصدار حكم بإعدامه.
نظرت شغب إليها في اهتمام، وظلت برهة غارقة في التفكير، ثم قالت بحزم: لن تبلغ الأمور هذا الحد. لن أقبل بموته، ولن يخالف الخليفة أمري. ثم أرسلت ثمل إلى الحلاج، تطمئنه وتسأله إن كان يحتاج إلى شيء، وتخبره أن ما يمر به محنة عابرة لن تطول. كما أوصت الحراس بحسن معاملته، وأن يقدموا له طعامًا حسنًا، ويوفروا له الورق والأقلام وما يحتاج إليه من كتب، وألا يُحرم من لقاء خاصته وتلاميذه المقربين، حتى تنقشع الغمة وتهدأ الألسنة.
مرت الأيام، والألسنة لا تكف عن الخوض في أمر الحلاج، والهوة تتسع بين الفريقين؛ الموالين له والناقمين عليه. حتى جاء يوم وفدت فيه من المشرق البعيد جماعات من تلاميذه، تتزايد مع مرور الأيام، قدموا من خراسان، ومن حدود الهند، ومن غيرها من البلاد التي زارها الحلاج وأقام فيها سنين كانوا يسألون عن الشيخ الذي غيّر كثيرًا مما في نفوسهم، وتعلموا على يديه، وجاءوا ليأخذوا عنه ويتلقوا منه المزيد. فلما علموا بحبسه، ازداد اللغط في المدينة، وطلبوا الإذن بزيارته.
ووصل الخبر إلى الوزير، ثم إلى الخليفة، فأُذن لبعضهم بالدخول عليه، ودُسَّ بينهم من ينقل ما يدور في مجلسهم دار الحديث حول القلب والمعرفة والمحبة، ثم عرضوا على الحلاج أن يكلموا الخليفة في أمر سفره معهم، مؤكدين أنه سيكون بينهم في مأمن من الحبس، وسيكون له شأن عظيم في بلادهم غير أن الشيخ رفض اقتراحهم برفق، وطمأنهم، وأمرهم أن يعودوا من حيث أتوا. لكنهم أصروا على البقاء حتى تنقضي محنته، ويعلموا إلى ماذا سيؤول أمره مع الخليفة؛ فالمدينة كلها تضج باسمه، والفقهاء يتصدرون المجالس، يؤثرون في العامة، ويملؤون صدورهم حنقًا عليه.
إنهم سمعوا بعضهم يقول له: إنك قرمطي، تدعو إلى دعوتهم، وأنت رسولهم الذي يدبر لإسقاط الخلافة. نظر الحلاج إلى قائلها نظرة متفحصة، لكنه لم يُبدِ ما دار في نفسه. ثم أنشدهم شيئًا من شعره في الحب الإلهي، وناقشهم فيما عزموا عليه، وأمرهم أن يرحلوا مع أول قافلة، حتى لا يكون وجودهم سببًا في زيادة الفتنة. غير أنهم أبوا مفارقته، وأقسموا أن يبقوا قريبين منه حتى تنجلي المحنة ولما انقضى الليل، رُفع إلى الوزير والخليفة تقرير بما جرى، بعد أن اختلط بالتهويل والمبالغة؛ فقيل إن القادمين يريدون اصطحاب الشيخ إلى بلادهم، وإنهم ربما أعدوا الرجال، وينتظرون الفرصة المناسبة لإخراجه.
دارت في رأس الخليفة احتمالات كثيرة، غذّاها الوزير وأحسن توجيهها. ومع تزايد أفواج القادمين من المشرق، ازداد القلق في القصر، واشتد الاضطراب في المدينة وأخذ خصوم الحلاج يصورون حديثه عن الاتحاد والنور والظلام والحلول على أنه خطر يهدد الدين والدولة، وزعموا أن هذه الأفكار حملها معه من المشرق، وأن القادمين إنما وفدوا لنصرة دعوته. أما في الجانب الآخر، فكانت هناك قلوب لم تر في الشيخ إلا رجلًا دلها على الله، فتعلقت به وبمعانيه حتى فنيت في محبته. وكيف للعامة أن تدرك أحوال هؤلاء، أو تميز بين التجربة الروحية وما يُشاع عنها؟
ومع إصرار الوزير على المضي في أمره، ظل الخليفة يتريث في شأن الحلاج. فلم يكن يريد أن يتعلق برقبته دم رجل يراه كثيرون من أهل الولاية والصلاح، وله أتباع ومريدون داخل المدينة وخارجها، فضلًا عن أن كثيرًا من كلامه كان يحتمل التأويل، ولا يؤخذ دائمًا على ظاهره. ومن وراء الخليفة، كانت السيدة شغب تعارض إيذاء الشيخ أو المساس به، فيزداد تردد الخليفة، ويؤخر الفصل في أمره، مخافة أن يقدم على قرار يندم عليه.
كانت ثمل في بداية الأمر تذهب إلى الشيخ بأمرٍ من السيدة، لتتفقد حال الحلاج وتطمئن إلى حسن معاملة الحرس له وتلبية مطالبه، ثم تعود فتخبرها بأن كل شيء على ما يرام كانت تذهب على فترات متباعدة، ثم تقاربت الزيارات، ثم صارت تذهب أحيانًا بلا أمرٍ من أحد، وإنما بدافعٍ من نفسها. كان هناك شيءٌ غامض يجذبها إلى تفقد حال الشيخ في المرات الأولى كانت الجلسات قصيرةً خاطفة، ثم أخذت تطول شيئًا فشيئًا، ثم تقاربت حتى أصبحت، في الأيام الأخيرة، ترشي الحارس لتجلس إلى الشيخ في هدوء، يحدثها وتحدثه. كان لكلماته وقعٌ كبير في نفسها. كانت تعجبها ألغاز حديثه وما ينطق به لسانه من كلمات العشق والمحبة ومراميه نحو عالم الروح. لقد شق صدرها المغلق، وبدأت نوافذ جديدة تنفتح أمامها على عالم لم تكن تعرف عنه شيئًا.
كان دائمًا يقف عند نافذة السجن ناظرًا إلى السماء، فتخرج الكلمات من قلبه لتستقر في قلبها. وبعد أن تغادر محبسه كانت تجلس في باحة القصر بين الأزهار والورود، ترفع بصرها إلى السماء هي الأخرى، وتستعيد ما قاله الشيخ، تحاول أن تمسك بالمعاني الشاردة التي تحتمل التأويل، فتقودها من عالمها الأرضي إلى عالم أرحب، يفيض بالروح والنور. شعرت كأنها كانت تنظر إلى الحياة بعينٍ لا ترى. لم تكن تبصر إلا القبح المحيط بعالمٍ غارق في الماديات والشهوات، عالمٍ لا يعرف للروح سبيلًا. كانت ترى الناس يدورون في دواماتٍ متلاحقة، حتى ينسى المرء إنسانيته، وتمتد إليه حبائل الغرائز فتنهشه حتى الثمالة.
كانت تتساءل بين الحين والآخر: أين كنت؟ وكيف جهلت نفسي كل هذه السنين؟ لقد أضعتها في المكائد وحب السيطرة. صنعت من نفسي عبدًا حين كنت أظن أن ذلك هو المجد الحقيقي، فإذا به وهمٌ وخداع، ضللت به نفسي قبل أن أضل غيري. كانت تذهب إلى فراشها الوثير وقد فقدت جزءًا من نفسها القديمة. فكل زيارة تمحو شيئًا مما كانت عليه، وتثبت في قلبها شيئًا جديدًا لم تعرفه من قبل.
وسألته مرة: هل يمكن أن يكون الإنسان عدو نفسه؟ يسعى إلى هلاكها ويحاربها وكأنها خصمٌ لدود يريد التخلص منه؟ ولماذا يحارب الناس من يقصد هدايتهم؟ من يريد أن يعيد إليهم ما فقدوه في رحلة الحياة، فيرشدهم ويعينهم؟ هل جزاؤه أن يُلقى في السجن، وأن تعلو الأصوات مطالبةً بقتله، ويرمونه بعدو الله والدين، وهو لا يريد إلا أن ينتشلهم من وهدة الضياع؟ أأنت الخطر، أم أن غيابك هو الخطر؟
فنظر إليها وقال بصوتٍ خافت: الناس يخافون المجهول، حتى ولو كان خلاصهم فيه شيءٌ ما كان يتغير فيها. أصبحت غير التي كانتها من قبل. ففي معاملتها للخدم، بعد أن كانت مصدر خوفٍ وجفوة وكراهية، صارت موضع دهشةٍ واستغراب. أصبحت أكثر رقةً ولينًا، وأكثر ميلًا إلى العفو والتسامح. لاحظ الجميع ذلك التغير، ولاحظته السيدة أيضًا، وكانت تعرف مصدره، لكنها لم تعقب على ما آلت إليه ثمل. أما الخدم فقد أخذوا يتناقلون أحاديث جانبية عن المرأة التي كانت تصرخ وتعاقب وتجلد، فإذا بها اليوم تهمس برفقٍ وتعطف على الضعفاء.
وفي ليلةٍ من الليالي أقلق السهر السيدة، فخرجت تتفقد أرجاء القصر. وعندما مرت بحجرة ثمل وجدتها ساهرة، تملأ الدموع عينيها توقفت لحظة، وقد بدا عليها العجب؛ فهي لم ترها من قبل على هذه الحال. أدركت أن قلبها قد تعلق بشيءٍ أكبر من مجرد الإعجاب، لكنها لم تشأ أن تشعرها بأنها رأتها، فانصرفت في هدوء إلى جناحها وهي تفكر في أمر هذا الشيخ الذي استطاع أن يلين قلوبًا طالما عُرفت بالقسوة، وأن يوقظ في الأرواح ما ظن الناس أنه مات.
أما السيدة نفسها، فقد كانت تشعر أحيانًا بشيءٍ من ذلك الأثر يتسرب إلى داخلها، غير أن طبيعتها كانت تغالبها كثيرًا. فتارةً تستجيب لذلك النداء الخفي، وتارةً تعود إلى صراعها القديم. كانت تنتصر مرةً وتُهزم أخرى، وظلت تتأرجح بين الحالين. فما فعلته طوال حياتها لم يكن بالقليل. لقد دفعت أثمانًا باهظة من أجل المكانة التي وصلت إليها، وبذلت الغالي والنفيس، وسلكت كل سبيلٍ يحقق لها ما تطمح إليه من نفوذٍ وسلطان، وما ترجوه لابنها من خلافةٍ وتمكين.
17
لم يمر التفاف تلاميذ الشيخ القادمين من البصرة والأهواز والبلاد المجاورة، ولا اجتماع الفقراء والعبيد حوله بعدما نفذت كلماته إلى قلوبهم، مرور الكرام على الوزير حامد. فقد نقلت إليه عيونه أخبارهم وما بلغهم من تعاظم مكانة الحلاج في نفوس الناس، فاستحضر في ذهنه ثورة الزنج التي اندلعت قبل سنوات، حين التف العبيد حول علي بن محمد، فهزموا جيوش الخلافة، وسيطروا على مناطق واسعة من جنوب العراق، وأقاموا لهم دولة استمرت أعوامًا، أنهكت الدولة العباسية وكشفت ما أصابها من ضعف، قبل أن تُقضى الثورة أخيرًا على يد جيش الخليفة الموفق. ولم تكن آثار تلك الثورة قد غابت عن ذاكرة الدولة، لذلك عرض الوزير هذه المخاوف على الخليفة المقتدر، محذرًا من أن التساهل مع الحلاج قد يفضي إلى فتنة جديدة يصعب احتواؤها. ومع تصاعد أعداد القادمين إليه، بدأ الخليفة يرى في الأمر خطرًا لا يجوز إهماله.
ومنذ ذلك الحين كثرت اللقاءات السرية بين الخليفة وبعض علماء الشريعة والفقهاء الذين ضاقوا بأقوال الحلاج ومسلكه. وكانوا يتداولون السبل التي تفضي إلى التخلص منه، على أن يبدو الأمر استجابةً لرأي العلماء وغضب العامة، لا قرارًا صادرًا عن القصر. ولهذا أخذوا يؤولون كلمات الحلاج على أسوأ الوجوه، وينشرون بين طلاب العلم ورواد الأسواق أنه يقول بالحلول والاتحاد، وأن الله يحل في بعض عباده فينطق على ألسنتهم.
ومع مرور الشهور آتت تلك الدعايات ثمارها، فتحول الحلاج في نظر كثير من الناس إلى رجلٍ مستباح الدم، وتعالت الأصوات المطالبة بقتله وصلبه، بوصفه خطرًا على الدين والشريعة، وقائدًا لفتنة قد تعصف بالدولة إن تُرك وشأنه. وهكذا اكتمل الطوق حول الحلاج؛ ففي الوقت الذي رآه فيه أتباعه وليًا من أولياء الله، صوره خصومه عدوًا للدين، تحركه قوى خفية تتستر بثياب الزهد والتقوى لتقويض الإسلام وأهله.
بدأت الزيارات إلى الشيخ تتباعد بعد أن كانت متقاربة. كنت أذهب مع الشبلي، أحمل أوراقي ليُملي عليَّ ما شاء من خواطره وكلماته. وكان يشعر أن شيئًا ما يقترب، فأكثر من الإملاء والكتابة، حتى امتلأت أوراقي بما جاد به، وكان من بينها طاسين الأزل. قال لي يومًا: اكتب فجلست أدون، وكان ذهنه يتدفق بالكلمات تدفقًا لا ينقطع، بينما كان الشبلي يصغي في صمت. كانت عباراته مفعمة بالرموز والإشارات والمصطلحات التي لم أكن أستوعبها كلها، ولم يكن هناك متسع للسؤال أو الاستفسار
وكلما جاء الحارس يأمرنا بالانصراف، قال له الشيخ: اتركنا قليلًا فينصرف على مضض. وفي تلك الأيام كانت المدينة تغلي. لم يكن يُذكر اسم الحلاج إلا أعقبه جدال؛ في الأسواق، ومجالس العلم، وحلقات النقاش. وكان الوزير حامد والقائد مؤنس قد عقدا العزم على أمر، ولم يعد يفصل الناس عن ظهوره إلا وقت يسير.
ولم يغب شيء من ذلك عن الشيخ. فقد كان يسمع تحذيرات الشبلي، وما أنقله إليه من أخبار المساجد والأسواق، وما تحمله إليه ثمل من أنباء القصر، كما لاحظ التغير الذي طرأ على معاملة الحراس له. ولم تمض أيام حتى مُنع الناس جميعًا من زيارته، ولم يُستثنَ إلا ثمل، التي كانت تأتيه على فترات متباعدة، وأحيانًا في جنح الليل، بعد أن تستميل الحارس بشيء من المال. كانت تنقل إليه أخبار القصر، وما تبذله السيدة من جهد لتدفع عنه الأذى.
أما الحلاج، فلم يكن يبدو أن شيئًا من ذلك يغير ما استقر في قلبه. ظل ثابت الجنان، مطمئن النفس، كأنه يعلم ما ينتظره، فلا يسعى إلى الفرار منه، بل يمضي إليه برضا، وكأنه أوفى عهدًا قطعه مع الله أن يبذل نفسه في سبيل ما آمن به. وكان يقضي نهاره وأكثر ليله في الصلاة، والتسبيح، وقراءة القرآن، والتأمل، ثم يعود إلى الكتابة، فيسطر أوراقًا بعيدًا عن أعين الحراس. وكانت ثمل تخفيها في طيات ثيابها، ثم ترسلها إليَّ لأضمها إلى كتابه، بعدما حُرمت من لقائه.
ومرت الأيام، وكل يوم يمضي كان يقرب الشيخ من مصيره المحتوم. وأدرك الخليفة، ومن وراءه الوزير، أن بقاء الحلاج يزيد الفتنة اشتعالًا في نظرهم، وأن الوقت قد حان لحسم أمره، قبل أن يتجاوز تأثيره ما يستطيعون احتواءه.
أصبحت الأصوات تأخذ مسارًا آخر. فرغم أن بغداد بلغت ما بلغت من التقدم والعلم، وأن أفواجًا تأتيها من كل أقطار الأرض ليتعلموا على أيدي شيوخها، فقد كان الطلاب يحجون إليها بالآلاف في كل علم وفن لينهلوا من عطائها. غير أن أمر العقيدة أحيانًا حين يأخذ شكلاً وطقسًا يصعب فيه التغيير والتبديل، يصبح من يحاول ذلك زنديقًا أو ملحدًا أو شعوبيًا يحاول هدم الدين والقضاء على المسلمين، ويُتَّهَم بمحاربة الباطن. وقد تجاوز الحلاج ما في عقول الناس من هذه التصورات، فأصبح في نظرهم خطرًا على الدين، فوجب عند بعض الفقهاء قتله. ومن ثم، ارتفعت أصوات الناس، يصرخون في وجه هؤلاء دون علم أو معرفة، ظنًا منهم أنهم بذلك يدافعون عن الدين ويتقربون إلى الله، ولم تخلُ ساحة من ساحات المسجد إلا وكان فيها فريقان أغلبهم ممن يقفون في وجه الحلاج ويتبعون علماء الشريعة. يقول أحدهم، وقد عُرف أنه من تلاميذ الحلاج إن شيخك يقول: أنا الحق! كيف تُفهم هذه الكلمة إلا على أنها خروج من ملة الإسلام؟ وهو يدّعي أن الله قد حلّ فيه. أليس لها معنى آخر سوى الكفر والإلحاد والمروق من ملتنا.
فيردّ الآخرإنك تهرف بما لا تعرف. من قال لك إن الشيخ يقول بالحلول أو بوحدة الوجود كما يدّعي البعض؟ إنكم لا تعرفون أحوال الصوفي حين يغيب عن الوجود ليبقى في معية الله، ولا تدركون حين يمتلئ القلب بمحبة الله فلا يترك مكانًا لغيره، فيستولي عليه حتى لا يستطيع أن ينتزع نفسه من ملكوته.
فيجيبه أنتم تقولون ما لا يعقل ولا يعرفه علماؤنا. لا دخل لنا بباطنكم وأحوالكم التي لا ندري أهي حقائق كما تقولون أم أمراض وشعوذة وتخاريف. ومع ارتفاع الأصوات، يضيع كل نقاش، وتحمر الوجوه، ويرتفع صوت الغضب وفي ساحات أخرى، امتد الجدل إلى السوق، وخاصة سوق الورّاقين، وارتفعت الدعوات إلى حرق كل ما خطته يد الشيخ إن كان له كتب أو مؤلفات أو أشعار. ثم تنتهي الأمور أحيانًا إلى معارك بالأيدي أو ما تطاله الأيدي من متاع.
أصبحت بغداد كلها تعيش داخل هذا الجدل، حتى القوافل العابرة كانت تتحدث عنه وتنقل إلى البلاد الأخرى ما يجري في بغداد حول الحلاج. وجاء إلى الخليفة ما يدور بين العلماء في مساجد البصرة حول الحلاج، وكأنها فتنة بدأت تنتشر حتى خرجت من بغداد إلى سائر البلاد بدأ الأمر يتأزم، والخوف يتضاعف، والوقت يقترب من الحسم في أمر الحلاج. وكل وقت يمضي يعرض الدولة إلى خطر داهم قد يطيح بها في لحظة، بسبب ما يدور حوله من آراء وكتب وشكاوى.
فلا مفر من اتخاذ قرار بالتخلص منه وقتله، ولكن لا بد من محاكمة تبدو عادلة، حتى لا يُراق دمه على مرأى الناس ظلمًا، ولا يتحول إلى شهيد في أعينهم. وفي الجانب الآخر، كان له أتباع يؤمنون به، وإن كانوا أقل عددًا، إلا أن بينهم رجالًا لا يُستهان بهم، وقد يثير قتله فتنة لا تُحمد عقباها. فكيف يُقضى عليه، ويبدو الأمر وكأنه حكم القضاء لا إرادة السلطان ولا دخل لرجال السياسة فيه؟
18
كانت أخبار مقتل الشيخ قد سبقت موته. لم يعد أحد يتحدث عن احتمال نجاته، بل عن اليوم الذي سيخرج فيه إلى الساحة، وكأن الحكم قد نُفذ في القلوب قبل أن يُنفذ في الجسد. وبعد محاولات اذن لنا الحارس بزياته على ان لا نطيل معه وقد توصت لنا ام الخليفة في هذه الزيارة الخاطفة جلسنا في صمت ثلاثتنا طال الصمت، حتى خيل إليّ أن الشيخ نسي وجودنا. ظل يحدق في شظية مرآة معلقة بجوار النافذة، ثم نهض ببطء واقترب منها، كأن شيئًا يستدعيه من داخلها. بل نظر إليها بعمق وسأل: من أنت؟ كأنني أعرفك. ألم أقابلك من قبل؟ ألم تقع عيناي على وجهك يومًا. فأجاب. ألا تعرفني؟ دقّق النظر. افتح عينيك أكثر، أو افتح قلبك، سترني جيدًا وتعرفني. قال الشيخ: كأنك تشبهني كثيرًا، فملامحك تكاد تتطابق مع ملامحي. ابتسم وجهه في المرآة وقال: غريب أن يجهل الإنسان نفسه حين تقابله وجهًا لوجه. نفسي؟ ماذا تعني؟ أنا أنت كيف ذلك؟ صحيح أن ملامحك تشبهني، ولكن أن تكون أنا، فهذا أمر لا أصدقه.
قال: لا تتعجب ولا تندهش، فأنا أنت بالفعل، وليس على سبيل السخرية أو المبالغة. لو فتشت جيدًا في أعماقك لعلمت ذلك. أنا ما يدور في هواجسك، وما لا تحب أن يطلع عليه أحد، بل ما لا تحب أن تواجه به نفسك. ولماذا أهرب منك؟ إن فعلت ذلك أكون قد كذبت على نفسي. والإنسان قد يخدع الآخرين، أما أن يخدع نفسه فلا أوافقك الرأي. قال: ومن قال لك إن الإنسان يجيد خداع الآخرين فقط؟ بل إن أكثر من يخدعه الإنسان هو نفسه. فالجهل والنقص قد يسوقانه إلى الكذب والخداع. وقد يحارب نفسه بأسلحة لا يستخدمها مع غيره. يخدعها ليريح ضميره، ويكذب عليها ليعظم شأنه في عينيها.
ثم قال: إنك لا تتخيل أن ألد أعداء الإنسان هو نفسه حين تضلله، أو ترسم له طرقًا من الوهم تمتد سنوات طويلة، وربما عمرًا كاملًا، وهو لا يفطن إلى ضياعه. أو لعله يفطن، لكنه لا يريد المواجهة؛ لأن السكينة الكاذبة والرضا الزائف غاية عند كثيرين، ولأن مواجهة النفس تهدم الصورة المتعالية التي بناها الإنسان لنفسه..
سكت الشيخ قليلًا ثم قال: ولماذا يفعل الإنسان كل هذا؟ ما دامت النهاية محتومة، والموت قادم لا محالة، والحياة قصيرة محدودة، فما الذي يجنيه من الخداع والكذب؟
قال: حين يخدع الإنسان أو يكذب، أو يفعل ما يفعله طلبًا للتميز والسيادة على غيره، فإنه لا يفكر فيما تقول. الأمل بطول الحياة والبقاء يستولي عليه حتى ينسى الموت، مع أنه يراه كل يوم يحصد الأرواح من حوله.
فقال الشيخ: لعلك لا تدري أنني لست من هؤلاء الذين تستولي عليهم الدنيا فتنسيهم الموت.
فأجابه: أنت كغيرك من البشر، وإن اختلفت الآمال والطموحات والنظر إلى الدنيا. ولعلي أواجهك بأمور كثيرة فررت منها، لأنك تظن أنك لست كغيرك من الناس.
قال الشيخ: أتظن أنني أطمع في شيء من الدنيا؟ لقد طلقتها، وأسيح في الأرض أدعو الناس إلى الحب ونقاء الضمير، وأبصرهم بالطريق الذي ينبغي أن يسلكوه. فأي سبب دنيوي يدفعني إلى ما أفعل؟ قال: كنت أرى الغبطة في نفسك كلما ازداد أتباعك.
فرد الشيخ: ألا يسعد المرء بهداية الناس؟ ألا يفرح بيقظتهم وتبصرهم بأمور الدنيا الفانية؟ أليس من حقه أن يسرّ حين يراهم يطلبون الحب عقيدة ترفعهم من دركات الآثام؟ قال: ولكنه أيضًا زهو النفس حين ترى أثرها في قلوب الآخرين، وحين تقودهم إلى ما تحب.
قال الشيخ: إنك تشوه المعنى، وتلتمس له غير حقيقته. فقال: أليس من الجائز أنك أنت من يمنحه المعنى الذي تحب؟
تنهد الشيخ وقال إذن دلني على ما يجب أن أفعله حتى أطلب الحق وقلبي خالٍ مما يشوبه. ولكن قل لي: لماذا ظهرت لي الآن فقط؟ ولماذا تركتني طوال عمري دون أن تنبهني؟ وقال: لم أتركك يومًا. أنت الذي لم ترد أن تراني. لقد استدعيتني الآن، وطلبت مني المواجهة. وما كنت لأظهر لولا إلحاحك على معرفة الحقيقة..
ثم قال: لقد شعرت بشيء يتحرك في أعماقك، فأردت أن تقطع الشك باليقين. أردت ألا تبرئ نفسك من شبهات تراودك في خفاء ضميرك، وتقلق مضجعك أحيانًا. في الأحلام، وفي الطرقات الخالية، وفي ساعات الصمت الطويلة. فالصحراء والصمت والتأمل تجعل الإنسان أكثر صدقًا مع نفسه. قال الشيخ: إذن قل لي: ما الذي تأخذه عليّ؟ وفي أي أمر تراني غير موفق؟
قال: لا تتعجل. سأرافقك، وكلما رأيت منك شيئًا صارحتك به حين تخلو بنفسك. ولكن اعلم قبل كل شيء أن النهاية محتومة، وأن الشقاء هو ما ينتظرك في هذا الغد، وأن المعاناة ستكون أشد مما تتصور. لقد اخترت طريقًا وعرًا، وأردت أن تسلكه حتى منتهاه وما إن فرغ من كلماته حتى عادت المرآة صامتة، ولم يبق فيها سوى وجه الشيخ وحده.
19
نودي في الناس بأمر الخليفة أن محاكمة الحلاج ستكون علنًا بعد صلاة الجمعة، في ساحة القصر، فمن شاء حضورها فليحضر، وليبلّغ الشاهدُ الغائب. وكان ذلك يوم الأربعاء، فلم يبقَ على المحاكمة سوى يومين. كان المريدون يعلمون أن المحاكمة ليست إلا وسيلة للنيل من الشيخ، بينما كان أهل الشريعة، ومعهم كثير من العامة، يرون أنه يستحق القتل، وأن أقواله دليل على ردته، ودعوته إلى مذاهب المجوس.
حين سمعت المنادي، صُعقت أنا والشبلي، ولم ندرِ ماذا نصنع. اتفقنا على الذهاب إلى السجن، لعلهم يأذنون لنا بزيارته للمرة الأخيرة قبل المحاكمة. لكن الحارس رفض، وأخبرنا أن الزيارة قد مُنعت عنه، وأن أحدًا لن يُسمح له بلقائه حتى موعد المحاكمة. خرجنا هائمين على وجوهنا، حتى انتهينا إلى ضفة النهر، حيث كان الشيخ يجلس معنا قديمًا. وقفنا صامتين، نستعيد صورته وكلماته، كأن المكان لا يزال يحتفظ ببقايا حضوره.
قال الشبلي: لنذهب إلى أم الخليفة، فلعلها تتوسط لإخراجه من بغداد، على أن يتعهد ألا يعود إليها أبدًا. بذلك يأمن الخليفة ما يخشاه، وتهدأ العامة، وينجو الشيخ.
قلت: لن يوافق، حتى لو فُتح له باب النجاة. إنه يسير إلى حتفه بإرادته، كأن الموت عنده ثمنٌ هين لما يؤمن به. نعم، له محبون في القصر وخارجه، لكن أعداءه أكثر، وقد اجتمع الوزير والفقهاء، ومن وراءهم الجموع، على ألا يهدأ لهم بال حتى يروا الحلاج مقتولًا. ومهما بذلنا من جهد لإنقاذه فلن نغيّر ما عزموا عليه
لقد قلت له مرارً: عرفتَ، فالزم لكنه لم يلزم تقلب قلبه في نار المحبة حتى احترق، ثم ألهب العالم من حوله، حتى غدا الحب عنده دينًا يحيط بكل شيء رأى عالمًا غير الذي نراه،. وصارت عين قلبه تبصر ما غاب عن أبصار الناس. انكشفت له حقائق لم يحتملها غيره، فسلك طريقًا وعرًا لا يسير فيه إلا من رضي أن يدفع عمره ثمنًا لما عرف. قلت له يومًا: إنهم لن يقتلوك بالسيف وحده، بل سيقتلونك بالكلمة. فجريمتك لم تكن إلا الكلمات؛ كلماتٌ غاصت في المعنى، وحاولت أن تكشف عن القلوب ستائر الغفلة. هي نفسها السلاح الذي سيطعنونك به، ويسفكون دمك بسببه. لقد حذرته، وأنذرته، لكنه كان يعلم طريقه، ومضى فيه غير هيّاب. أما هم، فقد غلبت عليهم الأهواء، وضاقت عقولهم عن احتمال ما لم تألفه، فلم يروا في كلماته إلا ما أرادوا أن يروه.
دخلت أمُّ الخليفة على ابنها وهي غاضبة من أمر محاكمة الحلاج على الملأ، فقد أدركت ما يرمي إليه الوزير من وراء تلك المحاكمة. قال الخليفة إنها فتنة يا أمّاه، وإن لم نقطع دابرها فسوف يكون وبالها علينا جميعًا. لقد أصبح الشيخ خطرًا، لا على الدولة وحدها، بل على الدين أيضًا. والعلماء والعامة في ثورة، والاضطراب يعم أرجاء بغداد وخارجها، لقد وصل الأمر إلى تشابك الناس وانقسامهم حول الرجل؛ غير أن أكثرهم يحتجون على أقواله، فلا بد من محاكمته أمام الناس، ثم تنفيذ ما يحكم به القضاة، حتى تهدأ النفوس وتعود السكينة إلى المدينة.
قالت: إذن، فلتكن المحاكمة عادلة، حتى لا تجوروا على الشيخ ولا تظلموه.
قال: وهذا ما سيكون. فالقضاة معروفون بحسن السمعة، وهم من أكابر علماء الفقه والشريعة.
قالت: لا بأس إذن. انصرفت أم الخليفة إلى جناحها، ثم أرسلت في طلب مولاتها ثُمَل، وأمرتها أن تذهب إلى الشيخ فتخبره بموعد محاكمته وتطمئنه.
كانت ثمل تدرك أن المحاكمة قد تنتهي بالحكم عليه بالقتل. نظرت إلى سيدتها نظرة يملؤها الأسى، لكن أم الخليفة فهمت ما يدور في نفسها. قالت لها: إن للشيخ مكانة في قلوب كثيرين، ولعل أقصى ما ينتهي إليه الأمر أن يُحبس أو يُخرج من بغداد. استأذنت ثمل وهمّت بالانصراف، غير أن سيدتها استوقفتها قائلة: اذهبي في آخر الليل.
انتظرت ثمل حتى توغل الليل، ثم شقت طريقها إلى محبس الحلاج عبر الممرات المظلمة. لكنها توقفت فجأة، وسألت نفسها. وهل يخفى على الشيخ ما يُدبَّر له؟ وماذا عساني أقول له؟ بدت على وجهها علامات اليأس، وارتسمت فوقه تقاطيع الحزن فتح لها الحارس الباب، فوجدت الشيخ كما عهدته دائمًا؛ يحيط به هدوء عجيب وسكينة آسرة ألقت السلام، وحاولت ألا تلتقي عيناها بعينيه قرأ الشيخ في نظرتها الهاربة ما جاءت من أجله.
قالت: إن السيدة تقرئك السلام، وتخبرك بأن ….. قال الشيخ وقال: أتقصدين أمر المحاكمة؟ هزت رأسها وهي تنظر إلى الأرض. نعم وساد بينهما صمت قصير، ثم قالت: ألا تخاف؟ قال: وممَّ أخاف؟ قالت: من أن تكون المحاكمة جائرة. قال: ليس في القلب مكان للخوف؛ فقد امتلأ بالحب، والحب يطرد كل ما سواه. قالت: الحب… ما أجمل هذه الكلمة! لو سكنت القلوب وفاضت بها، لتغير حال الناس قال: إنه يا ثمل الجذر الذي تتفرع منه كل الفضائل؛ الرحمة، والعدل، والمساواة. قالت: إنه عصب الحياة لمن كان له قلب. قال الشيخ: ليكن قلبك عالمًا كبيرًا يسع الجميع.
قالت: لقد أدركت معنى الحياة الحقيقي على يديك. كنت أظنها في لذات الجسد ومتاع الدنيا، فأرشدتني إلى متعة أعمق وأبقى. كانت الحقيقة تسكن داخلي، لكنني كنت عمياء عنها. فلك الفضل بعد الله. قال: بل الفضل لله وحده يا ثمل. ولولا أن لك قلبًا نقيًا، ما وجدت كلماتي سبيلًا إليه ثم قال برفق: دَعيني الآن أستريح. فقد اقترب الفجر، ولم يبق إلا ساعات قليلة. لم يكمل عبارته. انصرفت ثمل، وفي عينيها دمعة، وعلى وجهها ألم لا تخطئه العين أُغلقت أبواب السجن، ونهض الشيخ إلى نافذته الضيقة رفع بصره إلى القمر، وقد انسكب ضوؤه على السماء الصافية، وهمس: إنها الليلة قبل الأخيرة…
قال محدثا نفسه: لم يعد بيني وبين الفجر إلا وقت قصير. ما أغرب النفس حين تدنو من نهايتها؛ تهدأ فجأة، وتتوارى ضوضاء العالم من حولها، فلا يبقى إلا صوت القلب وهو يراجع رحلته الطويلة.
سنوات مضت وأنا بين أربعة جدران؛ سنوات بدت في ظاهرها محنة، لكنها كانت منحة عظيمة. فيها رأيت ما لم أره في اتساع الدنيا، وأدركت أن الحياة نفسها ما تزال تنزف من قلبها. تأتي إلى الناس حاملة عنهم أثقالهم، وهاديةً لهم الطريق، فيقابلونها بالطعن حينًا، وبالصمت حينًا آخر، وبذلك الجحود الذي يميت الأرواح قبل الأجساد. تمد إليهم يدها، فلا تنال إلا القطع، وتصرخ بالحقيقة، فلا تجد لندائها سوى الإنكار.
علمتني تلك السنوات أن القلوب ليست سواء؛ فقد تقف إلى جوارك اليوم تشد أزرك، ثم تنقلب عليك غدًا، تتهمك، وتقاضيك، وتحكم عليك، وربما كانت أشد قسوة من السيوف. وما أقسى أن يأتي الجرح ممن ظننتهم ملاذًا، وأن تمتد إليك اليد التي وعدتك بالنجاة، فإذا بها تدفعك إلى الهاوية.
كم من قلوب التفَّت حولي، وكم من أيدٍ صافحتني، ثم لم تلبث أن صارت هي نفسها الأيدي التي صفعتني. عندها أيقنت أن عالم الأرواح أوسع من عالم الأجساد، وأن جيوش المحبة لا تهزمها قوة، ولا يقهرها سلطان، مهما عظم ملكه أو اشتد بطشه.
كل سلاح يفقد معناه إذا خلا من الحب، وكل قلب لا يحمل بين جوانحه رحمةً هو قلب هالك وإن ظل ينبض. القلب الذي لا ينصت إلى الغناء، ولا يسمع نشيد الرياح وهي تعزف لحن الوجود، ولا يرى الله في كل همسة، وفي كل زهرة، وفي كل نفس، قلب فقد طريقه، وتاه عن سر وجوده، فصار يمشي بين الناس جسدًا بلا روح.
ما أردت يومًا إلا أن أشق لهم قنوات المحبة، وأغرس في أرواحهم بساتين الشوق، وأعمق جذور اليقين حتى إذا عصفت بهم الرياح، أو اشتدت عليهم العواصف، ظلوا ثابتين لا تقتلعهم الفتن، ولا تزعزعهم الأهواء.
غير أن الخوف… ما أيسر أن يسدل ستائره الثقيلة على القلوب. إنه يجعل الإنسان ينسى نفسه قبل أن ينسى غيره، وينكر ما كان يؤمن به قبل أن ينكره الناس عليه. فإذا أطل الموت من بعيد، تشبث بالحياة، وانكمشت روحه، وآثر السلامة على الحقيقة.
أما أنا… فما عدت أخاف الموت. لقد أدركت أن الذي يموت هو الجسد، أما الحب فلا يُصلب، والروح لا تُشنق، والكلمة الصادقة لا يستطيع سيف أن يقطعها، ولا سلطان أن يدفنها.
______
انتظرو غدًا الجزء الثالث من الرواية للكاتب خالد دومة
____
الجزء الأول:


تعليقات