إيتين كوندياك.. فيلسوف التنوير الذى سبق منظرى اقتصاد السوق الحرة

إيتين كوندياك.. فيلسوف التنوير الذى سبق منظرى اقتصاد السوق الحرة

تحل اليوم ذكرى رحيل الفيلسوف الفرنسي إيتين بونوت دي كوندياك، أحد أبرز مفكري عصر التنوير، والذي توفي في 3 أغسطس 1780، بعدما ترك إسهامات مؤثرة في الفلسفة وعلم النفس ونظرية المعرفة، كما قدم أفكارًا اقتصادية سبقت كثيرًا من النظريات التي ظهرت لاحقًا في الفكر الاقتصادي الحديث.

ولد كوندياك في 30 سبتمبر 1715 بمدينة غرونوبل الفرنسية، في أسرة قانونية، واتجه في شبابه إلى الحياة الدينية، فرُسم كاهنًا، لكنه كرّس معظم حياته للبحث الفلسفي والتأليف، ولم يشغل المناصب الكنسية إلا لفترات محدودة، كما عمل معلمًا لدوق بارما بطلب من البلاط الفرنسي.

واندمج كوندياك في الأوساط الفكرية الباريسية، حيث ربطته علاقات بعدد من كبار مفكري عصر التنوير، من بينهم دينيس ديدرو وجان جاك روسو، وانتُخب عضوًا في الأكاديمية الفرنسية عام 1768، وظل مشاركًا في أنشطتها حتى السنوات الأخيرة من حياته.

وترك كوندياك عددًا من المؤلفات المهمة، أبرزها «مقال عن أصل المعرفة الإنسانية» (1746)، و«أطروحة عن الأحاسيس» (1754)، و«معاهدة الحيوانات» (1755)، إلى جانب موسوعته التعليمية «نهج شامل للدراسات» التي أعدها لتعليم دوق بارما، فضلًا عن كتابه الاقتصادي «التجارة والحكومة» الصادر عام 1776.

ويعد كتاب «التجارة والحكومة» من أبرز أعماله الاقتصادية، إذ صدر في العام نفسه الذي نشر فيه آدم سميث كتاب «ثروة الأمم». وسعى كوندياك إلى تقديم رؤية متماسكة لاقتصاد السوق، متأثرًا بمدرسة الفيزيوقراطيين، لكنه خالفها في نقطة جوهرية عندما اعتبر أن المنفعة هي الدافع الأساسي للإنتاج والتبادل، وهي الفكرة التي ستصبح لاحقًا أحد الأسس الرئيسية للاقتصاد الحديث.

كما طرح كوندياك مفهوم «السعر الحقيقي»، ورأى أن الأسعار ينبغي أن تتحدد بحرية من خلال التفاعل بين العرض والطلب، بعيدًا عن تدخل الدولة، معتبرًا أن السوق المفتوحة تحقق التوازن الاقتصادي بصورة أفضل، وأن القيود الحكومية تؤدي إلى تشويه الأسعار وإلحاق الضرر بالمجتمع.

ويرى عدد من الباحثين أن أفكار كوندياك أسهمت في تمهيد الطريق للفكر الاقتصادي الليبرالي، وأن بعض أطروحاته سبقت ما قدمه لاحقًا اقتصاديون مثل ستانلي جيفونز وكارل منغر في نظرية المنفعة، مما جعل اسمه حاضرًا بين أبرز المفكرين الذين جمعوا بين الفلسفة والاقتصاد في عصر التنوير.

وتوفي إيتين بونوت دي كوندياك في 3 أغسطس 1780، عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد مسيرة فكرية تركت أثرًا واضحًا في تطور الفلسفة الأوروبية ونشأة الفكر الاقتصادي الحديث.