محمود الجارحي يكتب: استأجر قاعة داخل المحكمة وارتدى وشاح القضاة.. كيف صنع عاطل نفوذًا مزيفًا للنصب على المواطنين؟

محمود الجارحي يكتب: استأجر قاعة داخل المحكمة وارتدى وشاح القضاة.. كيف صنع عاطل نفوذًا مزيفًا للنصب على المواطنين؟


محمود الجارحي يكتب: استأجر قاعة داخل المحكمة وارتدى وشاح القضاة.. كيف صنع عاطل نفوذًا مزيفًا للنصب على المواطنين؟

ظهر ببدلة أنيقة، وربطة عنق حمراء، ووشاح يشبه أوشحة رجال القضاء، يجلس داخل إحدى قاعات المحاكم، يمسك أوراقًا أمامه، ويتعامل أمام الكاميرا بثبات، وكأنه يؤدي دورًا اعتاد عليه منذ سنوات.

ملامحه هادئة.. ونظراته ثابتة.. وحركاته محسوبة.. يقرأ في الأوراق.. ثم يرفع رأسه للحظات.. في مشاهد بدت لمن يشاهدها وكأنها توثق عملًا قضائيًا حقيقيًا.. لكن خلف الكاميرا.. كانت هناك رواية أخرى.

بحسب التحريات.. فإن الرجل عاطل.. قرر أن يصنع لنفسه شخصية مختلفة.. وأن يمنح اسمه صورة من النفوذ والهيبة.. فاختار قاعة محكمة لتكون مسرحًا لدوره.. ووشاحًا شبيهًا بوشاح القضاة ليكتمل المشهد.

ولم يكن دخوله إلى القاعة.. وفقًا للتحريات.. مصادفة.. فقد اتفق مع 3 موظفين بإحدى المحاكم على تمكينه من دخول إحدى القاعات عقب انتهاء مواعيد العمل الرسمية.. مقابل مبالغ مالية.. حتى يتمكن من التقاط صور وتسجيل مقاطع فيديو داخل المكان.

جلس أمام الكاميرا.. وأمسك بالأوراق.. وارتدى الوشاح… ثم بدأ تصوير مشاهد توحي بأنه قاضٍ يمارس عمله داخل المحكمة.. ومع انتشار الصور ومقاطع الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. بدأت الشخصية التي صنعها تكتسب مظهرًا من المصداقية.. لم يكن الهدف.. بحسب ما كشفت عنه التحريات.. مجرد تصوير مقاطع أو الظهور في مشاهد مثيرة للجدل.. وإنما استخدام تلك الصور في إقناع آخرين بأنه يمتلك صفة قضائية ونفوذًا يمكنه من التدخل في بعض الإجراءات القانونية.

وبين بدلة رسمية.. ووشاح.. وقاعة محكمة.. تحولت الصورة إلى وسيلة لبناء ثقة زائفة لدى ضحاياه.. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المتهم حصل من ضحاياه على مبالغ مالية.. مستغلًا ادعاءه بامتلاك نفوذ وعلاقات تمكنه من إنهاء إجراءات قانونية وقضائية.. بينما تردد أن الأموال التي حصل عليها الموظفون مقابل تمكينه من التصوير بلغت نحو 3 ملايين جنيه.. وهي معلومات تخضع للفحص والتحقيق.

لكن المشاهد التي صُنعت لتمنحه الهيبة.. أصبحت لاحقًا جزءًا من الأدلة التي قادت إلى كشف الحقيقة.

فعقب رصد مقاطع الفيديو والصور المتداولة.. بدأت التحريات لكشف ملابسات الواقعة.. وتحديد هوية الشخص الذي ظهر مرتديًا الوشاح داخل قاعة المحكمة.. ومع اكتمال المعلومات.. تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم.. كما جرى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق الموظفين المتورطين في الواقعة.. وانتهى المشهد الذي بدأ داخل قاعة محكمة، إلى جهات التحقيق.

فالرجل الذي جلس أمام الكاميرا في هيئة قاضٍ.. وجد نفسه متهمًا بانتحال صفة واستغلال مظهر رسمي في النصب والاحتيال على المواطنين.. وبين أوراق حملها أمام العدسة.. وملفات أصبحت أمام جهات التحقيق.. سقطت الشخصية التي حاول صنعها.. فالصورة قد تصنع انطباعًا.. لكنها لا تصنع صفة.. وفي النهاية.. تحولت قاعة المحكمة التي اختارها لتصوير دوره.. إلى بداية الطريق نحو قفص الاتهام.