احتفل مسجد باريس الكبير، في شهر يوليو الماضي بمرور 100 عام على تأسيسه بمشاركة شخصيات من مختلف الأطياف الدينية، من بينهم موشيه ليفين، نائب رئيس مؤتمر الحاخامات الأوروبيين ولوران أولريش، رئيس أساقفة باريس، وكان وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ورئيس بلدية باريس إيمانويل جريجوار، من بين المسؤولين الذين حضروا الاحتفال، وفقاً لوكالة «رويترز».
وحسبما جاء في الموقع الرسمي لمسجد باريس الكبير، في 19 أكتوبر 1922، في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، تم وضع حجر الأساس للجامع الكبير في باريس بشكل رسمي، مما دشن المصير الحافل لمؤسسة لا تزال حتى يومنا هذا موضع فضول، ومرجع، ورمز، وتحدٍ.

المسجد الكبير بباريس
تكريم الجنود المسلمين الذين استشهدوا في سبيل فرنسا
تعود فكرة إنشاء مؤسسة إسلامية في باريس إلى منتصف القرن التاسع عشر، وبعد مبادرات عدة لم تُكتب لها الإمكان، قررت الحكومة الفرنسية في النهاية تبني المشروع لحسابها في ديسمبر 1916، في خضم الحرب العالمية الأولى؛ حين وجدت فرنسا نفسها مدينة لعدد لا يحصى من الجنود المسلمين الذين قضوا بين أبطالها، ولا سيما في “معركة مصير فرنسا” الشرسة بـ “فردان”، حيث زُهقت أرواح أكثر من 100 ألف منهم.
لقد كان حريًّا بفرنسا تكريم هؤلاء الجنود الذين أُنتزعوا من ديارهم، فجاء بناء مسجد باريس ليكون رمزًا لعرفان الجمهورية بفضلهم، وتأكيدًا لروابط الصلة بين فرنسا والشعوب الإسلامية.
وهكذا رأت “جمعية الأوقاف والأماكن المقدسة للإسلام” النور في فبراير 1917، لتتولى -وحتى يومنا هذا- إدارة شؤون وقيادة مسيرة “جامع باريس الكبير”، أُشِرت هذه الجمعية في الجزائر العاصمة تحت قيادة قدور بن جبريط، وكان الهدف من إنشائها في البداية تنظيم أداء مناسك الحج لمسلمي شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الأولى، وقد أهّلها نجاحُها في تلك المهمة للحصول على الاعتماد الرسمي للإشراف على أعمال بناء إدارة المسجد المُرتقب.
سرعان ما حظي مشروع بناء المسجد بتأييد وشعبية واسعة بين شخصيات سياسية وفكرية وإسلامية بارزة، وتأسست لجنة توجيهية ترأسها إدوارد هريو(Édouard Herriot)، النائب وعمدة مدينة ليون، وأحد أبرز المدافعين عن العلمانية الجمهورية التي أُقرّت قبل ذلك بسنوات قلائل، وعلى الرغم من التزامه الصارم بمبدأ فصل الدين عن الدولة، فقد أدرك هريو، إلى جانب آخرين، ضرورة هذا المشروع الذي يهدف إلى تكريم مسلمي فرنسا وإرسال رسالة صداقة قوية إلى العالم الإسلامي أجمع.

المسجد الكبير
وفي صيف عام 1920، وافقت غرفة النواب بالإجماع على مشروع قانون “إنشاء المعهد الإسلامي لمسجد باريس”، بناءً على التقرير الذي أعده إدوارد هريو، وبموجب هذا القانون، أُقِرّت منحة مالية أولية لتمويل أعمال البناء، تلتها تبرعات سخية عُدّة جُمعت من مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ لتنطلق بذلك رحلة خروج “جامع باريس الكبير” إلى النور.
وضع حجر الأساس لمسجد باريس الكبير
وُضع حجر الأساس عام 1922 في الموضع المحدد لمحراب المسجد المستقبلي والمتجه نحو مكة المكرمة، وذلك بحضور شخصيات بارزة من فرنسا والعالم الإسلامي؛ ليعلن “المعهد الإسلامي للمسجد الكبير بباريس” عن توثيق الرباط الدائم بين فرنسا والإسلام، وتأكيد عرفان البلاد لمئات الآلاف من المسلمين الذين هبوا للدفاع عنها بين عامي 1914 و1918.
وقد تقرر تشييد المسجد الكبير على قطعة أرض مملوكة لبلدية باريس، في موقع محمل بالتاريخ؛ إذ كان يشغله مستشفى “لا بيتييه” القديم الذي هُدم قبل الحرب، والذي تعود أساساته إلى عام 1612 في عهد “ماريا دي ميديتشي”، ومجاورًا لحديقة النباتات، وقع الاختيار على هذا الموقع داخل “الحي اللاتيني” – معقل الأكاديميين والمفكرين – الذين أبدى كثير منهم شغفًا واهتمامًا بالغين بالدين والثقافة الإسلامية، بعيدًا عن المصالح السياسية والاستعمارية.
أما النمط المعماري المختار، وهو “المغربي الجديد”(Neo-Moorish)، فقد فرض نفسه سريعًا كخيار بديهي؛ إذ أتاح المزج بين عِدة موروثات: الأندلس وشمال أفريقيا، إلى جانب الطابع الجمالي المجدد لمدينة باريس. ولإنجاز هذا المشروع الاستثنائي، أُوكلت المهمة لمعماريين مرموقين: موريس مانتو، وموريس ترانشان دي لونيل، وشارل هوبيس، وروبرت فورنيه. وكانت مهمتهم واضحة: تصميم صرح يتسم بالجرأة والحداثة والتناغم مع التخطيط العمراني لباريس؛ لتولد بذلك تحفة معمارية تشكل ملتقى بين الشرق والغرب.

المسجد
450 حرفيا وفنانا يشيدون مسجد باريس
وهكذا انطلقت أعمال البناء، حيث حقق 450 حرفيًّا وفنانًا من المغرب العربي إنجازًا استثنائيًا بإنهاء تشييد المبنى في غضون أربع سنوات فقط، وبفضل خبراتهم ومهاراتهم الفنية، أثمرت جهودهم عن صرح يتبارى حتى يومنا هذا برقيّ جمالي لا مثيل له في أوروبا؛ حيث تتكامل الفسيفساء، والأعمدة، والحدائق، والأخشاب الثمينة، والخطوط العربية، لتشكل كلاً متكاملًا يفيض بروعة العمارة الإسلامية.
وفي 15 يوليو 1926، تم افتتاح المسجد الكبير بباريس بحضور رئيس الجمهورية “جاستون دوميرج”، ونخبة المجتمع الباريسي، وعدد من الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي، ومنذ ذلك الحين، تتولى “جمعية الأحباس” إدارة هذه المؤسسة الدينية والخيرية والثقافية المستقلة، لتكون منبرًا يحمل إلى فرنسا وأوروبا رسالة الإسلام الإنسانية والخالدة.

مسجد باريس

تعليقات