لم يكن مصير ملايين الكتب التى اشترتها شركة Anthropic الأمريكية أن تُقرأ أو تُعرض على أرفف المكتبات، بل انتهت صفحاتها داخل أجهزة المسح الضوئى، بعدما كشفت وثائق قضائية ان الشركة المطورة لمساعد الذكاء الاصطناعى “Claude”، اشترت ملايين الكتب الورقية، ثم أتلفت نسخها بعد رقمنتها، لتستخدم محتواها فى تدريب نماذجها، فى خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول حقوق المؤلف ومستقبل الكتاب الورقى.
وكشفت الوثائق، التى ظهرت ضمن دعوى قضائية رفعها عدد من المؤلفين بشأن حقوق النشر، جانبًا من مشروع ظل بعيدًا عن الأضواء، اعتمد على شراء كميات ضخمة من الكتب الورقية بهدف تحويلها إلى بيانات رقمية، بدلًا من الاعتماد فقط على المحتوى المنشور عبر الإنترنت.
لماذا احتاجت الشركة إلى الكتب؟
رغم أن نماذج الذكاء الاصطناعى تتعلم من مليارات الكلمات المنشورة على الإنترنت، فإن Anthropic رأت أن الكتب تمثل مصدرًا أكثر جودة، لأنها نصوص كتبها مؤلفون محترفون وخضعت للتحرير والمراجعة اللغوية، وهو ما يمنح النماذج قدرة أفضل على إنتاج نصوص دقيقة ومتماسكة.
ولهذا استعانت الشركة، مطلع عام 2024، بتوم تورفى، أحد المسؤولين السابقين عن مشروع Google Books، لتوسيع عملية جمع الكتب.
ووفقًا للوثائق، أنفقت الشركة عشرات الملايين من الدولارات لشراء كميات ضخمة من الكتب المستعملة من موردين متخصصين، كما بحثت إمكان التعاون مع مكتبات ومتاجر كتب، من بينها مكتبة “ستراند” الشهيرة فى نيويورك، التى أكدت لاحقًا أنها لم تُبرم أى صفقات مع الشركة.
ماذا حدث للكتب بعد شرائها؟
لم تكن الكتب تُحفظ فى مخازن أو تُضاف إلى مكتبات رقمية بالطريقة التقليدية، بل كانت تخضع لما يُعرف بـ”المسح الضوئى الإتلافى”، وهى عملية تعتمد على تفكيك الكتاب بالكامل.
فكان العمال يزيلون ظهر الكتاب باستخدام آلات قطع هيدروليكية، لتنفصل صفحاته عن الغلاف، ثم تمر عبر ماسحات ضوئية عالية السرعة لإنتاج نسخة رقمية كاملة. وبعد انتهاء العملية، كانت النسخ الورقية تُرسل لإعادة تدوير الورق، بينما تحتفظ الشركة بالنسخ الرقمية لاستخدامها فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى.
وتشير الوثائق إلى أن أحد المتعاقدين اقترح رقمنة ما بين 500 ألف ومليونى كتاب خلال ستة أشهر فقط، وهو ما يعكس حجم المشروع.
أين بدأت الأزمة القانونية؟
شراء الكتب لم يكن محل النزاع، لكن الاعتراض انصب على كيفية استخدام محتواها بعد ذلك.
فقد رأى عدد من المؤلفين أن استخدام كتبهم فى تدريب نماذج ذكاء اصطناعى قادرة على إنتاج نصوص جديدة يثير تساؤلات تتعلق بحقوق النشر وحقوق المبدعين، حتى وإن كانت النسخ الورقية قد اشتريت بصورة قانونية.
وفى المقابل، ميّز القضاء الأمريكى بين الكتب التى اشترتها الشركة بشكل قانونى، وبين نسخ رقمية أخرى حصل عليها بعض موظفيها من مواقع معروفة بتداول الكتب المحمية بحقوق النشر دون تصريح، مثل LibGen.
وكان القاضى الأمريكى ويليام ألسوب قد اعتبر، فى حكم صدر عام 2025، أن استخدام الكتب المشتراة قانونيًا فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى قد يندرج تحت مبدأ “الاستخدام العادل”، كما سمح للشركة بالاحتفاظ بالنسخ الرقمية الناتجة عن عملية الرقمنة. لكن الحكم لم يشمل المواد التى يُشتبه فى الحصول عليها بصورة غير مشروعة، وظلت هذه الجزئية محل نزاع قانونى انتهى لاحقًا بتسوية مالية بلغت 1.5 مليار دولار دون أن تعترف الشركة بارتكاب أى مخالفة.


تعليقات