لفت منشور متداول على موقع “فيسبوك” الانتباه، بعدما جمع بين صورة للبطل الأولمبى المصرى محمد السيد وإحدى لوحات المومياوات المعروفة باسم “وجوه الفيوم“، وطرح المنشور سؤالًا بسيطًا حول الشخصية التى تشبهها هذه الملامح القديمة، قبل أن يكشف عن المقارنة بين وجه الشاب المرسوم قبل نحو ألفى عام ووجه اللاعب المصرى المعاصر، بما يحمله الاثنان من شعر مجعد ولحية قصيرة ونظرة مباشرة وتكوين متقارب للوجه.
وتفتح هذه المقارنة بابًا أوسع للتعرف إلى وجوه الفيوم، وهى مجموعة من الصور الجنائزية التى ازدهرت فى مصر خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد، وتصفها مصادر متحف المتروبوليتان والمتحف البريطانى ومتحف جيتى ومتحف بيترى بأنها لوحات لأشخاص عاشوا فى مصر خلال العصر الروماني، رُسمت على ألواح خشبية أو أقمشة، ثم وُضعت فوق وجوه أصحابها بعد تحنيط أجسادهم. ويقترب عدد الصور الجنائزية الباقية فى متاحف العالم من ألف لوحة وصورة وقطعة.

تاريخ وجوه الفيوم
يرجع معظم هذه الصور إلى الفترة الممتدة بين القرن الأول والقرن الثالث الميلادي، عندما كانت مصر إحدى ولايات الإمبراطورية الرومانية، ويرجح المتخصصون تواريخ اللوحات من خلال أساليب الرسم وتسريحات الشعر والحلى والملابس، عبر مقارنتها بالتماثيل والعملات الرومانية المؤرخة، فقد ارتبطت بعض تسريحات النساء بفترات حكم أباطرة بعينهم، كما عكست أشكال اللحى وقصات الشعر تغير الموضة خلال العصر الروماني.
لماذا عرفت باسم وجوه الفيوم؟
ارتبط الاسم بمحافظة الفيوم بسبب العثور على عدد كبير من اللوحات فى جبانات المنطقة، وخاصة فى هوارة والروبيات، وأجرى عالم الآثار فلندرز بيترى حفرياته فى هوارة خلال موسمى 1888-1889 و1910-1911، وكشف عن مجموعة مهمة من المومياوات التى تحمل الصور المرسومة، فأصبحت المنطقة أشهر موقع مرتبط بهذا الفن، وكانت هوارة خلال العصر الرومانى جبانة بارزة لدفن بعض الأثرياء وسكان مدن إقليم الفيوم.
ومع اتساع الاكتشافات، ظهرت صور مشابهة فى مواقع مصرية أخرى، من بينها أنتينوبوليس وأخميم وسقارة وأبوصير الملق والهِبَة ومارينا العلمين وأسوان. ولهذا يفضل عدد من الباحثين تعبير “صور المومياوات فى مصر الرومانية”، لأن انتشارها الجغرافى تجاوز حدود الفيوم، مع بقاء اسم «وجوه الفيوم» الأكثر شهرة بين الجمهور.
لوحة يونانية وروح جنائزية مصرية
جاء الأسلوب الفنى من تقاليد تصوير الأشخاص فى العالمين اليونانى والروماني، حيث اعتمد الرسامون على الظلال والإضاءة وتدرج ألوان البشرة وإظهار تفاصيل الوجه، أما وظيفة اللوحة فترتبط بالعقيدة الجنائزية المصرية، إذ وضعت الصورة فوق وجه المومياء لتصبح جزءًا من تجهيز المتوفى ورحلته إلى العالم الآخر.
ولهذا تبدو وجوه الفيوم أعمالًا مصرية مرتبطة بمجتمع مصر خلال العصر الروماني، حتى مع حضور الأزياء الرومانية والأسماء اليونانية والأساليب الفنية المتوسطية. وقد عاش أصحابها على أرض مصر، ودُفنوا وفق ممارسة مصرية، واستُخدمت فى لوحاتهم مواد محلية وأخرى جاءت عبر طرق التجارة التى ربطت مصر بالعالم القديم.
كيف رسم الفنانون هذه الوجوه؟
استخدم الفنانون طريقتين أساسيتين، الأولى هى الرسم بالشمع الساخن أو «الإنكوستيك»، حيث تُمزج الأصباغ بشمع النحل، ثم توضع على الخشب لتكوين طبقات تمنح الوجه عمقًا ولمعانًا. أما الطريقة الثانية فهى «التمبرا»، وتعتمد على مزج الألوان بمواد سريعة الجفاف، مثل الصمغ النباتى أو الغراء الحيواني. وظهرت بعض الصور على الأكفان الكتانية، كما أضيفت رقائق الذهب إلى التيجان والحلى والخلفيات فى عدد من النماذج.
وصُنعت الألواح من أنواع متعددة من الأخشاب، بينها الزيزفون والجميز والأرز والصفصاف. وتشير الدراسات العلمية إلى استخدام الخشب المستورد فى عدد كبير من اللوحات، خاصة خشب الزيزفون الأوروبي، وهو ما يعكس نشاط التجارة وتوافر مواد فنية متنوعة فى مصر الرومانية. كما كشفت التحليلات عن استعمال المغرة الحمراء والصفراء والكربون الأسود والأبيض الرصاصى والأزرق المصري، الذى ظهر فى رسم الملابس والعيون ودرجات البشرة.
وتظهر الحلى والملابس مستوى اجتماعيًا مرتفعًا لدى كثير من أصحاب الصور. ارتدت النساء الأقراط والعقود المرصعة، وظهرت أكاليل الذهب فوق رؤوس بعض الرجال والنساء، كما حملت ألوان الملابس وعروض الأشرطة التى تزينها دلالات مرتبطة بالمكانة داخل المجتمع الروماني.
هل رُسمت الصور فى حياة أصحابها؟
يرى اتجاه بحثى أن بعض الصور رُسمت خلال حياة أصحابها، وربما عُلقت فى المنازل فترة من الزمن، ثم قُصت لتناسب شكل المومياء بعد الوفاة. وتظهر على بعض الألواح آثار توحى بتعديل الأطراف أو تركيب اللوحة داخل اللفائف. ويرى باحثون آخرون أن عددًا منها أُنجز خصيصًا بعد الوفاة ضمن تجهيزات الدفن، وتظل ظروف إنتاج كل لوحة مرتبطة بحالتها ومكان اكتشافها وما بقى معها من عناصر أثرية.
وقد فقدت صور كثيرة سياقها الأصلى بعدما فُصلت عن المومياوات وانتقلت إلى تجار الآثار والمجموعات الأوروبية والأمريكية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وتشير أبحاث مشروع «APPEAR» إلى أن نسبة كبيرة من اللوحات الموجودة حاليًا تفتقر إلى معلومات أثرية مكتملة عن مواضع اكتشافها، وهو ما يجعل دراسة الخشب والأصباغ وطريقة الرسم وسيلة أساسية لمعرفة تاريخها.
هل تثبت الوجوه صلة المصريين الحاليين بالمصريين القدماء؟
التشابه بين وجه قديم ووجه مصرى معاصر يلفت النظر، ويمنح الجمهور إحساسًا مباشرًا باستمرار بعض الملامح داخل المجتمع المصري. وتظل المقارنة البصرية انطباعًا إنسانيًا وفنيًا، بينما تحتاج دراسة الاستمرارية السكانية إلى عينات أثرية واسعة وتحليلات جينية تشمل مناطق وفترات تاريخية متعددة.
وقد قدمت دراسة منشورة فى دورية «Nature» عام 2025 تحليلًا لجينوم كامل لشخص عاش فى مصر خلال بدايات عصر الدولة القديمة، وأظهرت وجود جذور وراثية مرتبطة بشمال أفريقيا إلى جانب صلات بغرب آسيا. كما توصلت نماذج الدراسة إلى أن جانبًا كبيرًا من أصول عدد من المصريين المعاصرين يرتبط بمجموعات قديمة من شمال أفريقيا، مع وجود مكونات وراثية جاءت إلى مصر عبر موجات تواصل وهجرة متعاقبة. وأكد الباحثون أن محدودية العينات تفرض توسيع الدراسات قبل الوصول إلى صورة شاملة لتاريخ سكان مصر.
وتقدم هذه النتائج صورة لمصر بوصفها مجتمعًا احتفظ بجذور محلية عميقة، واستقبل عبر آلاف السنين عناصر بشرية وثقافية متعددة. وهى صورة تتفق مع موقع البلاد بين أفريقيا وآسيا والبحر المتوسط، ومع تاريخها الطويل فى التجارة والحروب والهجرات والتواصل الحضاري.

تعليقات