الدكتور إبراهيم مجدي حسين يكتب: بين الجائحة والأزمات الاقتصادية.. 6 قصص اختصرت شقاء العيادة النفسية
اقرأ أيضا: قبل أسبوعين من مغادرة منصبه.. بيترو عن خليفته: يأتمر مباشرة لواشنطن
سؤال مكرر يتكرر عليَّ تقريبًا في كل لقاء أو مجلس:
«إيه أصعب حالة قابلتها يا دكتور؟ وإيه نوعية الحالات اللي بتشوفها في العيادة؟»
زمان، كنت بسرح وبحاول أفتكر حالة معينة معقدة أو شديدة الغرابة وأحكي تفاصيلها.. لكن مع تراكم الخبرة والسنوات، بقيت أرد فورًا وبدون تردد: «كل الحالات اللي بشوفها صعبة.. مفيش حالة نفسية سهلة!». فالألم النفسي ليس فيه درجات هينة، وكل إنسان يحمل فوق طاقته.
أما عن «نوعية الحالات»، فلو أردت اختصار المشهد النفسي والمجتمعي خلال السنوات الأخيرة، سأجد أن معظم الاستشارات تندرج تحت ست شكاوى أساسية، أو ستة عناوين عريضة لقصص كبرى تتفرع منها آلاف التفاصيل المؤلمة:
«أنا مدمن إباحية ومش قادر أوقف»: صراع صامت يلتهم إرادة الشباب والبالغين ويتلف علاقاتهم الزوجية.
«السوشيال ميديا بلعت حياتي»: اعتمادية وشاشات لا تنطفئ، وسرقة متواصلة للوقت والتركيز.
«أنا شاكك إن عندي فرط حركة وضعف انتباه (ADHD)»: بحث دائم عن تفسير لتشتت الذهن والفشل في إنجاز المهام اليومية.
«ولادي مش بيحبوني ومش عارف أتفاهم معاهم»: اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء وفقدان لغة الحوار السليمة.
«أنا مراهق وبكره أهلي وعايز أعيش لوحدي»: صدمات واضطرابات مرحلة المراهقة والهروب من سلطة الأسرة.
«أنا مش بعرف أنام غير ببرشام منوم»: أرق مزمن، وفقدان لقدرة الجسد الطبيعية على الاسترخاء والسكينة.
من العيادة إلى الشارع.. كيف صنعت الأزمات عالمنا الجديد؟
اقرأ أيضا: تدشين مرحلة جديدة من الشراكة بين البرلمان العربي و«عموم أفريقيا»
السؤال الأهم هنا: لماذا تفاقمت هذه الصور الست بالذات في السنوات الأخيرة؟
الإجابة تكمن في متوالية الصدمات التي عاشها العالم والمجتمع؛ بدءًا من جائحة كورونا وفترات العزل المنزلي الطويلة، مرورًا بالتغيرات والضغوط الاقتصادية المتلاحقة، وتسريح العمالة، وإفلاس بعض المشاريع، وصولًا إلى حالة التوتر التي فرضتها الحروب والأزمات العالمية.
هذه الضغوط المتجمعة أجبرت الناس على البقاء لفترات طويلة داخل البيوت تحت ضغط نفسي ومادي هائل. البقاء القسري جعل الأفراد لا يرون في بعضهم البعض إلا العيوب والمآخذ، فزادت المشكلات الأسرية، ووجد الكثيرون في السوشيال ميديا والإباحية منفذًا سهلًا ومجانيًا للهروب من واقعهم المرير.
ونتيجة للتوتر والقلق القادم من الغد، اضطربت ساعات النوم، وضعفت قدرة المخ على التذكر والتركيز، مما جعل الكثيرين يظنون أنهم مصابون باضطرابات نمو عصبي مثل «ADHD»، بينما الحقيقة في كثير من الأحيان هي «إنهاك نفسي وعصبي مزمن» جراء الهروب الرقمي والضغوط الاقتصادية.
خاتمة.. ليسوا مرضى فقط، بل ضحايا ضغوط متراكمة
إن هذه الشكاوى الست ليست مجرد أعراض فردية في كشوفات الأطباء، بل هي مؤشرات لقياس الصحة النفسية للمجتمع ككل. التشخيص النفسي الحقيقي لا يقف عند كتابة الروشتة أو إعطاء المنوم، بل يبدأ من فهم البيئة والظروف التي أحاطت بالمريض وأوصلته إلى هذه النقطة.
نحن بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة بناء الروابط الأسرية، وتدريب الأجيال الجديدة على التعافي الرقمي (Digital Detox)، والتعامل مع المشكلات النفسية كاستجابة طبيعية لضغوط غير طبيعية، بدلًا من ترك الإنسان يواجه مصيره وحده خلف الشاشات أو داخل شريط دواء.