21 يوليو 2026 00:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 يوليو 00:12 2026
اقرأ أيضا: لماذا تحدث رعشة اليدين؟.. أسباب غير متوقعة
من أكثر الدموع شهرةً في التاريخ دموع أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس الذي بكى أمام أمّه عائشة الحرّة، وذلك حين استسلم للملك الإسباني فرديناند، وسلّمه مفاتيح غرناطة لينتهي ملكه إلى الأبد، فما كان منه إلاّ أن بكى، وحين رأت أمّه دموعه قالت له:
ابكِ مثل النساءِ مُلْكاً مُضاعاً
لم تحافظ عليه مثل الرجال
ليلة أمس الأول، وعلى مرأى من ملايين شعوب العالم سالت دموع ليونيل ميسّي أحد ملوك كرة القدم في القرن الحادي والعشرين. بكى في الملعب أمام جمهوره مثل اليتيم، ووقف مبهوتاً جامداً يحدّق في الفراغ المخيف، كأنه في كارثة، ثم منكفئاً على نفسه جلس على الأرض صامتاً حزيناً في داخل ذاته المنكسرة.
ليونيل ميسّي ليس ملك دولة، ولا هو زعيم جمهورية أو إمبراطورية، وما من شبه بينه وبين هزيمة أبي عبد الله الصغير، لكن دموعه غسلت وجهه وهو جامد، صامت أمام الجمهور.
لماذا بكى هذا الرجل الذي يجلس على الملايين من الأموال، والنجم العالمي الأشهر من الشهرة نفسها، الذي يتمتع بصحة جيدة، وعائلة راقية، وأمامه وهو في الأربعين من عمره آلاف الفرص التي تدرّ عليه، ثانية، المال والشهرة والنجومية.. هذا الرجل الذي ليس بحاجة إلى شيء لا من مؤسسة ولا دولة ولا شخص مهما كان نفوذه لماذا يبكي؟
اقرأ أيضا: «الشارقة وجهة نظر».. نافذة على أعمال 6 فنانين بين 8 أغسطس و29 نوفمبر
تحديداً ما معنى بكائه أو دموعه بهذه المرارة، وهو لم يخسر شيئاً شخصياً في حدّ ذاته؟ الجواب لأنه شعر في هزيمة المنتخب الأرجنتيني أمام إسبانيا كأنه خذل بلاده، وانسحب من المسؤولية الأخلاقية والأدبية في قيادة فريقه إلى الفوز.
دموع ميسّي تجاوزته كشخص أو كذات إلى حقيقته كقائد، ومع أنه قائد منتصر، وجالس على عرشه المادي والرمزي، إلاّ أن الهزيمة أبكته في العمق. هزّته هزّاً، فانسابت دموعه حارّة ولاذعة لكينونته البشرية كلّها.
في تاريخنا العالمي المعاصر، اليوم، لا يبكي ولا يعرف الدموع الكثير ممّن يجلسون على كراسي السلطة، وإذا حدث أن جرى الانقلاب عليهم، فإن الأمر لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد. الأمر كلّه لا يستحق البكاء، المهم أن يهرب هؤلاء بأموالهم مخلّفين وراءهم أوطانهم للاستلاب والفشل والدمار.
دموع ميسّي أخلاقية، مبدئية وهي لا تشبه دموع ملك غرناطة الذي لم يحافظ على مُلْكه مثل الرجال، كما وَبّخته أمّه، فقد حافظ (هذا الأيقونة الأرجنتينية) على صورة البطل في داخله، رغم أنه تهالك على عشب الملعب مثل نمر جريح.