
المتاحف المصرية.. رمز من رموز القوة الناعمة (1)
تعتبر منظمة المتاحف العالمية “الإيكوم” المتاحف، بأنواعها المختلفة، المكان الأمين الذي يُحفظ فيه تراث البشرية الحضاري والفني والصناعي والطبيعي والتاريخي على مر العصور المختلفة.
وهناك عشرات الآلاف من المتاحف في جميع أنحاء العالم تهتم بجمع الأشياء ذات القيمة العلمية والفنية، أو ذات الأهمية التاريخية، وجعلها متاحة للجمهور من خلال المعارض التي قد تكون دائمة أو مؤقتة.
وعرفت الموسوعة العربية المتحف بأنه دار لحفظ الآثار القديمة، والتحف النادرة، وروائع المنحوتات واللوحات الفنية، وكل ما يتصل بالتراث الحضاري.
وقد يضم المتحف أيضا أعمالا علمية أو أعمالا فنية أو معلومات عن التاريخ والتقنية، وهو المكان الذي يجمع مجموعة من المعروضات والأشياء الثمينة بقصد الفحص والحفظ والدراسة.
ويهدف ذلك إلى حفظ التراث الثقافي للشعوب على مر العصور، بما يشمله من علوم وفنون وكافة أوجه الحياة، للتعرف عليها ودراستها ومعرفة مراحل تطور الحياة البشرية وإنجازاتها الحضارية. ومصر دولة رائدة فيما يتعلق بالحضارة، ولسنا هنا بصدد ذكر أهمية الحضارة المصرية بالنسبة للبشرية.
وإنما نتحدث هنا عن المتاحف المصرية كنموذج من نماذج القوة الناعمة لمصر، ويكفي أن نعرف أن وجود المتاحف نفسها يرجع إلى مصر الفرعونية، أو مصر القديمة، إذ أكد بعض الباحثين وعلماء الآثار والمتاحف أن فكرة المتحف وإنشائه كانت معروفة لدى المصريين القدماء، فهم الذين وضعوا التماثيل أمام صروح معابدهم وفي قصورهم، حتى إن أحد أبناء الملك رمسيس الثاني قام بإجراء بعض الترميمات على الآثار، مما يعكس الحب والولع بآثار الأجداد، كما قام الملك رمسيس الثاني، خلال عصر الدولة الحديثة، بترميمات عديدة لآثار أسلافه.
وبالرغم من أن المصريين القدماء لم يكن لديهم مفهوم المتحف بشكله المعاصر، فإنه يمكن القول إن المعابد المصرية، بشكل عام، كانت أشبه ما تكون بالمتاحف. ويعد أقدم متحف في العالم هو متحف مدينة الإسكندرية، الذي أنشأه بطلميوس الأول عام 280 قبل الميلاد، وكان يضم تماثيل لآلهة الجمال والموسيقى والشعر، كما ضم نماذج من أحدث الاختراعات والآلات الصناعية والجراحية، ثم تحول فيما بعد إلى مدرسة أو جامعة يونانية.
وبصفة عامة، كانت المتاحف وسيلة كل دولة للحصول على أكبر قدر ممكن من السياحة العالمية، من خلال زيارة هذه المتاحف الموجودة على أرضها، ومصر تعتمد على حضارتها الفريدة والأقدم في العالم.
وكان لمصر أيضًا حظ كبير فيما يتعلق ببناء المتاحف، فمنذ بداية القرن التاسع عشر بدأت في إنشاء العديد منها، ولعل أهم هذه المتاحف كان المتحف المصري، الذي يعد أكبر وأشهر المتاحف العالمية في حينه، ويقع في قلب العاصمة المصرية القاهرة، بالجهة الشمالية لميدان التحرير، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1835.
وكان موقعه في الأصل بحديقة الأزبكية، وكان يضم عددًا كبيرًا من الآثار المتنوعة، ثم نُقل بمحتوياته إلى قاعة العرض الثانية بقلعة صلاح الدين، حتى فكر عالم المصريات الفرنسي مارييت، الذي كان يعمل بمتحف اللوفر، في افتتاح متحف يعرض فيه مجموعة من الآثار على شاطئ النيل ببولاق. وعندما تعرضت هذه الآثار لخطر الفيضان، نُقلت إلى ملحق خاص بقصر الخديوي إسماعيل بالجيزة.
ثم جاء عالم المصريات ماسبيرو، وافتتح عام 1902، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، مبنى المتحف الجديد في موقعه الحالي بقلب القاهرة. ويعد المتحف المصري من أوائل المتاحف في العالم التي أُسست لتكون متحفًا عامًا، على عكس المتاحف التي سبقته، وكان يضم أكثر من 150 ألف قطعة أثرية، من أهمها المجموعة الأثرية التي عُثر عليها في مقابر الملوك والحاشية الملكية للدولة الوسطى بدهشور عام 1894. ويضم المتحف حتى الآن أعظم مجموعة أثرية في العالم، تعبر عن جميع مراحل التاريخ المصري، حتى تم إنشاء المتحف المصري الكبير.
وأنشئ هذا المتحف عندما بدأ القناصل الأجانب المعتمدون في مصر إظهار إعجابهم الشديد بالفن المصري، وعملوا على جمع الآثار المصرية وإرسالها إلى المدن الأوروبية الرئيسية، وبذلك زادت صادرات تجار الآثار المصرية، التي أصبحت بعد ذلك موضة أوروبية.
وكانت الهدايا من تلك القطع النادرة، خلال القرن التاسع عشر، منتشرة بين الطبقة الأرستقراطية في أوروبا، وكانت التوابيت من أهم هذه القطع وأكثرها طلبًا. ولم يفهم المصريون في بداية الأمر الدوافع التي جعلت الأوروبيين يهتمون بهذه الآثار الموجودة في أراضيهم، ولا ما الدافع وراء التنقيب عنها في المعابد والمقابر، وربما كانت الشائعات التي كانت تروج عن وجود كنوز خفية لا تقدر بمال في بعض هذه المناطق.
واستمر تطور هذا المتحف من مرحلة الأزبكية إلى مرحلة القلعة، ثم مرحلة بولاق، ثم مرحلة الجيزة، إلى أن صار في وضعه الحالي. ووضع المعماري الفرنسي مارسيل دورجنون تصميم المتحف عام 1897، على امتداد ثكنات الجيش البريطاني بالقاهرة في ذلك الوقت، عند قصر النيل. واحتفل بوضع حجر الأساس في الأول من أبريل عام 1897، بحضور الخديوي عباس حلمي الثاني وأعضاء وزارته، وتم الانتهاء من المشروع على يد الألماني هيرمان جرابو في نوفمبر 1903. ونُقلت المجموعات الأثرية من قصر الخديوي إسماعيل بالجيزة إلى المتحف، وهي العملية التي استخدمت خلالها خمسة آلاف عربة خشبية.
أما الآثار الضخمة فقد نُقلت بالسكة الحديد في نحو 109 رحلات بين الجيزة وقصر النيل، وحملت الشحنة الأولى نحو 48 تابوتًا حجريًا، يزيد إجمالي وزنها على ألف طن. وتم افتتاح المتحف رسميًا في 15 نوفمبر 1902، واعتمد المتحف الجديد على ترتيب القاعات ترتيبًا تدريجيًا، ولم يؤخذ في الاعتبار تخصيص حجرات لفترات الاضطرابات السياسية، نظرًا لأنها اعتبرت غير ذات أهمية في التاريخ المصري، وصنفت الآثار بالمتحف تبعًا لموضوعاتها.
إلا أنه، ولأسباب معمارية تتعلق ببناء المتحف، وضعت التماثيل الضخمة في الدور الأرضي، بينما عرضت المكتشفات في الطابق الأول وفقًا للتسلسل التاريخي. وعلى الرغم من أن التصميم المعماري كان فريدًا في حينه، وتنافس على تشييده 73 مشروعًا، فإن التصميم الذي نُفذ في النهاية كان للمعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل، حتى أصبح شكل المتحف من الخارج تحفة معمارية جديرة بالحفاظ عليها.
وبالتالي استقطب هذا المتحف، منذ إنشائه، العديد من الزيارات من رؤساء وملوك وأباطرة العالم، ومر بأكثر من مرحلة تطوير، باعتباره المتحف الأول في مصر من حيث تاريخ البناء.
وهكذا أصبح هذا المتحف معلمًا رئيسيًا من معالم مدينة القاهرة، ومقصدًا سياحيًا للزائرين من جميع أنحاء العالم، فاستحق أن يكون رمزًا من رموز القوة الناعمة في مصر. وربما تشهد الأيام القادمة رؤية جديدة لدور هذا المتحف في إطار النهضة الشاملة لإعادة وجه القاهرة إلى ما كانت عليه من جمال وتنسيق وروعة، تجذب إليها الزوار من مختلف أنحاء العالم.