عندما تذكر كلمة “مكتبة”، يتبادر إلى الذهن مبنى هادئ تصطف على رفوفه الكتب، لكن في أنحاء مختلفة من العالم، تطور مفهوم المكتبة ليشمل أشياء لا علاقة لها بالكتب، من أشخاص يروون تجاربهم الحياتية، إلى عينات من العجين المخمر، ومواد صناعية، وحتى كتل جليدية عمرها آلاف السنين.
كما أن هذه المكتبات تشترك في هدف واحد هو حفظ المعرفة وإتاحتها، لكنها تفعل ذلك بوسائل غير تقليدية، ما يجعلها من أكثر المؤسسات الثقافية والعلمية غرابة في العالم.
مكتبة تستعير منه إنسانًا The Human Library
ربما تكون المكتبة البشرية (The Human Library)، التي انطلقت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن عام 2000، أشهر هذه المبادرات، فبدلا من استعارة كتاب، يستعير الزائر شخصا حقيقيا لمدة محددة لإجراء حوار مفتوح معه، ويُطلق على المتطوعين اسم “الكتب”، وهم أشخاص ينتمون إلى فئات قد تتعرض لأحكام مسبقة أو وصم اجتماعي، مثل اللاجئين أو ذوي الإعاقات أو أصحاب التجارب الإنسانية المختلفة.
وتهدف المبادرة إلى كسر الصور النمطية، عبر استبدال القراءة بالحوار المباشر، وقد استضافت فعاليات في أكثر من 80 دولة منذ تأسيسها.

The Human Library
مكتبة تحفظ وصفات العجين المخمر
في بلجيكا توجد واحدة من أغرب المكتبات الغذائية في العالم، وهي مكتبة العجين المخمر (Sourdough Library)، وتحتفظ المكتبة بمئات بل آلاف عينات العجين المخمر، التي يستخدمها الخبازون لصناعة الخبز التقليدي، بعدما جمعت من دول وثقافات مختلفة بهدف الحفاظ على التنوع الميكروبي المرتبط بصناعة الخبز.
كما تتيح المكتبة للخبازين حول العالم تسجيل وصفاتهم في قاعدة بيانات رقمية تضم آلاف المداخل، في محاولة للحفاظ على هذا التراث الغذائي للأجيال المقبلة.

Sourdough Library
دمى وعرائس للإعارة
في مدينتي بوسطن ونيويورك الأمريكيتين، توجد مكتبات لا تستعير منها كتبًا، بل عرائس مسرحية.
بدأت الفكرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما لاحظت الفنانة سارا بيتي أن كثيرين يرغبون في استعارة الدمى العملاقة التي تصنعها للمهرجانات والعروض.
وتضم المكتبة اليوم عرائس ضخمة، بعضها يصل ارتفاعه إلى نحو 20 قدمًا، وتُستخدم في المسرح المدرسي، والمواكب الفنية، والفعاليات المجتمعية، وأحيانًا يستعيرها الناس لمجرد التجول بها في الحدائق العامة.

Puppet Libraries
متحف لاستعارة الحيوانات المحنطة
في متحف سان دييغو للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، يمكن للمعلمين والباحثين استعارة عينات من الحيوانات المحنطة عبر برنامج يعرف باسم Nature to You.
وتضم المجموعة أكثر من 1300 عينة تشمل طيورًا وثدييات وزواحف وكائنات بحرية، وتُستخدم في التعليم والأنشطة العلمية، لتتيح للطلاب دراسة الحيوانات عن قرب دون الحاجة إلى التعامل مع حيوانات حية.

Taxidermy Library
مكتبة يمكنك لمس محتوياتها وشمها
أما في كلية لندن الجامعية (University College London)، فتوجد مكتبة المواد (The Materials Library)، وهي مساحة تجمع مئات الخامات الطبيعية والصناعية.
ولا يُطلب من الزوار الاكتفاء بالمشاهدة، بل تشجعهم المكتبة على لمس المواد وتحريكها وحتى شم بعضها، لفهم خصائصها واستخداماتها في التصميم والهندسة والبحث العلمي.
وتضم المجموعة عينات متنوعة، من الراتنج والشعر البشري إلى مواد غذائية مجففة، ولا تُرتب وفق نظام تقليدي، بل تشجع الزوار على اكتشاف العلاقات غير المتوقعة بين المواد المختلفة.

The Materials Library
مكتبات تحفظ تاريخ الأرض داخل الجليد
من أغرب هذه المؤسسات أيضًا مكتبات نوى الجليد (Ice Core Libraries)، الموجودة في عدد من الدول، بينها الدنمارك والولايات المتحدة وأستراليا.
وتضم هذه المراكز أسطوانات جليدية استُخرجت من الأنهار والصفائح الجليدية، ويعود عمر بعضها إلى آلاف السنين.
ويستخدم العلماء هذه العينات لدراسة تاريخ الغلاف الجوي والمناخ، إذ تحتفظ كل طبقة جليدية بسجل طبيعي للظروف البيئية في زمن تكوّنها. لكن على عكس الكتب، لا يمكن إعادة هذه “المقتنيات” بعد استخدامها، لأن تحليلها يتطلب إذابة أجزاء منها، ما يجعل كل عينة موردًا علميًا غير قابل للاستبدال.

Ice Core Libraries
تكشف هذه النماذج أن مفهوم المكتبة لم يعد مقصورًا على رفوف الكتب، بل أصبح يشمل أي مساحة تحفظ المعرفة وتنقلها. سواء كانت هذه المعرفة محفوظة في إنسان يروي تجربته، أو في عجين يحمل تاريخ صناعة الخبز، أو في قطعة جليد تختزن أسرار مناخ الأرض، فإن الهدف يبقى واحدًا: صون المعرفة وإتاحتها لمن يبحث عنها.