خالد دومة يكتب: حافة الموت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

مرَّ بجواري، ولمس كتفي، كان شكله مرعبًا، وعيناه طافحتان بالشر والغموض. فزعت لرؤيته، فقد رأيته على حين غرة، ولم أكن مهيأً لذلك، ففاجأني. وقفت في ذهول من هول الموقف، ولم أحسب له حسابًا.

كنت أسير بدراجتي النارية في الطريق، والزحام يملأ الشارع، وعربات النقل الكبيرة تتدفق في الاتجاه المقابل. فجأة اختلت عجلة الدراجة، فسقطت في منتصف الإسفلت. كانت العربات تسير بلا توقف، ومرت بجوار كتفي عجلات شاحنة كبيرة.

توقفت الأصوات، وكأن الزمن قد تجمد. وحدقت العيون التي كانت تترصد المشهد. طفلة صغيرة وضعت يديها على فمها من هول ما رأت، وشبَّ رجل من خلف سيارة نصف نقل مذهولًا، وصعقت امرأة وقد وضعت يديها على رأسها، وأنا أيضًا كنت مذهولًا. لم يكن بيني وبين وبينه إلا مسافة يذكر، لقد مرَّ واحتك بثيابي، رأيته في لحظة خاطفة، بكل ما فيه، وقد دخلني رعب عظيم.

نزل السائق، وكان وجهه ممتقعًا، وأنا ملقى بين السيارات، فقد ظن أنه قتل رجلًا بعجلات شاحنته. قال: لقد كدت أن تموت. قلت: بالفعل، لقد رأيته يلامسني.
قال سائق آخر كان يقف مشدوها: الحمد لله، ربنا سترها.

شكا السائق أن به ما يكفيه من ضربات القدر، ومن الأيام السوداء التي تهبط فوق رأسه، وأنه ليس على استعداد لتحمل ما هو أكثر من ذلك. أشفقت عليه أنا أيضاً من هول الموقف.

حدثت نفسي: إنها لحظات فارقة، من عالم الغيب، لا مسافات فيها بينك وبين أن تكون وألا تكون، وأن تصبح في عالم غير هذا العالم، ركبت الدراجة وانطلقت، وأنا مشوش الذهن، مثقل القلب، أفكر في الأمر. إذا كان الموت قريب منا إلى هذا الحد، فإنه ربما يفاجئك وأنت تظن أن بينك وبينه مسافات شاسعة، أميالًا وسنوات من الأمل والطموح والرؤية والعمل والكدح، وسنوات من الخيال تنطلق فيها أحلامك بلا حدود، ثم يضيع كل شيء في لحظة، في غفلة منك.

إنه لا يطرق بابًا، ولا ينذر أحدًا، وقد يأتيك وأنت غارق في التفكير، حين يرمي بك الخيال إلى التسعين أو المائة من عمرك، فتقول: حين أصل إليها، كيف سأكون؟ وماذا سأفعل؟ لا بد أن أحتاط لتلك السن المتقدمة. وإذا بالموت ينتظرك في الطريق، بعد لحظات، أو يحتضنك وأنت نائم، ثم لا تقوم أبدًا.

عندما انحرفت بي عجلة الدراجة، وألقتني على الأسفلت، ومر بجانبي، لم يتوقف لحظة واحدة حتى أسأله: هل كان يقصدني أنا، أم عبرني ليصيب غيري؟ لكني أدركت أنه لا يتكلم، ولا يبوح لأحد بأسراره، ولا بموعد زيارته، ولا يذكر أسماء من يقبض أرواحهم.

قلت لنفسي: لو أتيح لي أن ألقاه قبل اللقاء الأخير. ولكن ماذا عساه أن يفعل؟ إنه لا يلتقي بالإنسان إلا مرة واحدة، وعلى حين غفلة منه. إن الله يريد أن نموت مرة واحدة، رحمة ببني البشر، حتى لا موتا كل يوم، فتذبل نفسه قبل أن يفارق الحياة، فتجف وتشقى، فيموت الإنسان قبل أن يموت.

حسنًا فعل إذ لم يعطني فرصة الحديث معه أو مقابلته. ففي لقائي به، على غير قصد منه ولا مني، ما يكفي. ثم تمضي الأيام، وننسى لحظة الموت، رغم فداحتها، وما تتركه خلفها من ألم وأحزان وذكريات، ثم يصبح كل شيء ماضيًا… ثم لا شيء يبقى هناك خلف حجب السلوى والنسيان.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً