شهد المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، صباح اليوم السبت، الجلسة الخامسة بعنوان «التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية»، والتي أدارها الأستاذ الدكتور محمد عبد الله حسين، بمشاركة عدد من الباحثين العرب، حيث توقفت الجلسة عند علاقة التجريب المسرحي بالهوية والطقوس والفرجة والذاكرة الجمعية.
واستهل الأستاذ الدكتور محمد عبد الله حسين الجلسة بالتأكيد على أن أهمية هذا المحور تنبع من تناوله التجريب المسرحي من زاوية مغايرة للتصورات الشائعة التي ارتبطت بمسرح الطليعة والمسرح الجديد ومسرح ما بعد الدراما، مشيراً إلى أن النقاش المطروح هنا يتصل بما يمكن تسميته بـ«التجريب المرتبط بالأقلمة الثقافية».
وأوضح أن هذا التصور يعيد التجريب المسرحي إلى أطره الاجتماعية والثقافية، ويطرح سؤالاً حول علاقة المسرح بالبيئات التي ينشأ داخلها، مؤكداً أن مفهوم «الإقليم الثقافي» لا يرتبط بجغرافيا مغلقة أو حدود مكانية محددة، وإنما يمتد ليشمل منظومة أوسع من الرموز والطقوس واللغات والذاكرة والممارسات الاجتماعية.
وأشار إلى أن العديد من الطقوس والفرجويات الدينية تتجاوز الحدود الجغرافية، مستشهداً بالفودو في هايتي، والزار في الحبشة ومصر، وقناوة في المغرب، والسطمبالي في تونس، إلى جانب التعازي الشيعية في إيران والعراق وبلاد الشام، وبعض المظاهر الاحتفالية المرتبطة بعاشوراء في المغرب.
وأضاف أن التجريب المسرحي استطاع في عدد من تجاربه أن يتأقلم مع الخصوصيات الثقافية والطقسية، من خلال دمج الممارسات التقليدية واللغات المحلية والرموز الاجتماعية، كما سعى المسرح العربي في بعض تجاربه إلى تحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بما يسمح بإنتاج خطاب مسرحي أكثر ارتباطاً بالهوية الجمعية.
وتوقف حسين عند أهمية توظيف الطقوس والحكايات والرقص والموسيقى المحلية، إلى جانب إشراك الجمهور في صيرورة الفرجة وكسر الحواجز التقليدية بين المتلقي والعرض، مؤكداً أن المسرح يمكن أن يصبح فضاءً للاحتفاء بالذاكرة الجمعية والحكايات اليومية والتجارب الحية للمجتمع.
كما طرح مفهوم «المسرحة» بوصفه أكثر اتساعاً من الشكل الدرامي التقليدي، مشيراً إلى أن الرقص والتعبير الجسدي والطقوس الاجتماعية يمكن أن تمثل أفعالاً مسرحية تعكس استمرار الجماعة وذاكرتها، وتؤكد حضور الإنسان داخل تجربته الجمعية.
ومن جانبه، تناول الأستاذ الدكتور عبد الواحد بن ياسر من المغرب مفهوم الإقليم الثقافي، مؤكداً أنه يتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة ليضع علاقة المسرح بالجغرافيات الثقافية موضع مساءلة ونقاش.
وأوضح أن النظر إلى الإقليم الثقافي يستدعي استحضار رهانات جمالية وفكرية وإبستمولوجية وسياسية، بما يجعل المفهوم أكثر اتساعاً من مجرد الانتماء المكاني.
وتوقف بن ياسر عند عدد من الطقوس الفرجوية والدينية التي تنتشر عبر جغرافيات متعددة، موضحاً أن التجريب المسرحي استفاد من هذه الممارسات عبر دمج الطقوس واللغات المحلية والشفرات الثقافية الخاصة بكل مجتمع.
وأشار إلى أن المسرح العربي شهد محاولات لتحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بهدف إنتاج أشكال مسرحية أكثر ارتباطاً بخصوصية المجتمعات العربية وهويتها الجمعية.
وحدد ثلاثة مسارات أساسية لهذا الاتجاه، تتمثل في توظيف الطقوس والرقص والحكاية والموسيقى المحلية، وإشراك الجمهور في صناعة الفرجة، إلى جانب بناء «مسرح حي» ينطلق من القصص والتجارب اليومية.
واختتم بن ياسر مداخلته بالتساؤل حول مدى نجاح التجريب المسرحي العربي في تحقيق هذه الأهداف، مؤكداً أن علاقة التجريب بالخصوصية الثقافية تظل سؤالاً مفتوحاً أمام الباحثين والممارسين المسرحيين.
وبين الهوية والطقس والفرجة، أكدت مداخلات الجلسة أن التجريب لا يقتصر على البحث عن أشكال جديدة، وإنما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة اكتشاف الثقافة والذاكرة، وإنتاج لغة مسرحية تنبع من خصوصية المجتمع وتاريخه وتجربته الحية.


تعليقات