في الخامس من سبتمبر عام 2005، لم يكن جمهور المسرح في بني سويف يتوقع أن تتحول لحظات العرض المسرحي إلى واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ المسرح المصري، بعدما اندلعت النيران داخل قاعة الفنون التشكيلية الملحقة بقصر ثقافة بني سويف، خلال تقديم العرض المسرحي «من منا» عن قصة «حديقة الحيوان»، لفرقة نادي مسرح طامية بالفيوم، ليسقط عشرات الضحايا من الفنانين والمبدعين والنقاد ومحبي المسرح.
وبعد مرور 21 عامًا على الحادث، لا يزال الخامس من سبتمبر حاضرًا في الذاكرة المسرحية المصرية، بعدما أصبح يومًا للمسرح المصري تخليدًا لذكرى ضحايا الحريق، الذي ترك أثرًا عميقًا في الوسط الثقافي والفني، وفتح وقتها ملف أوضاع المسارح واشتراطات السلامة ومسؤولية الجهات المعنية عن حماية الجمهور والفنانين.
شموع تحولت إلى مأساة
بحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق التي تشكلت عقب الحادث، كان ديكور العرض يعتمد على أوراق شكائر الأسمنت والشموع لإحداث تأثيرات بصرية داخل القاعة، كما كان السقف مغطى ببلاطات من الفوم، بينما احتوت تجهيزات المكان على مواد سريعة الاشتعال.
وخلال المشهد الأخير سقطت إحدى الشموع، وسرعان ما امتدت النيران إلى الديكور، بالتزامن مع دخول فريق العمل إلى مقدمة مساحة التمثيل لتحية الجمهور عقب انتهاء العرض.
في البداية حاول الموجودون السيطرة على الحريق، لكن ألسنة اللهب انتشرت بسرعة، ثم وقعت انفجارات متتالية، وبدأت أجزاء من السقف المصنوع من الفوم في الذوبان والسقوط، بينما اشتعلت الحوائط الخشبية والستائر والديكورات، لتتحول القاعة خلال دقائق إلى كتلة من النيران.
وتشير شهادات الناجين الواردة في تقرير لجنة تقصي الحقائق إلى أن حالة من الارتباك والهلع سيطرت على الموجودين، خاصة مع صعوبة تحديد طريق الخروج وسط الدخان والنيران، بينما حاول البعض مساعدة المصابين وإخماد النيران بوسائل بدائية.
تأخر الإنقاذ يزيد من حجم الكارثة
لم تتوقف مأساة الحريق عند اشتعال النيران، وإنما امتدت إلى عمليات الإنقاذ والإسعاف التي أعقبت الحادث.
ووفقًا لما أورده تقرير لجنة تقصي الحقائق، تأخر وصول سيارات الإطفاء، رغم قربها من موقع الحادث، كما واجهت محاولات إخماد النيران مشكلة عدم توافر المياه اللازمة للضخ. وفي الوقت نفسه، لجأ بعض الناجين والمصابين إلى سيارات الأجرة أو السير على الأقدام للوصول إلى المستشفى.
وتضمنت شهادات الناجين روايات قاسية عن مشاهد المصابين والجثث، وعن الارتجال الذي صاحب عمليات الإنقاذ ونقل الضحايا، قبل أن تبدأ الجهات المختصة في التعامل مع آثار الحريق والتعرف على هوية الضحايا.
التعرف على الضحايا
كانت عملية التعرف على جثامين الضحايا من أصعب مراحل ما بعد الحريق، بسبب شدة الاحتراق التي تعرضت لها الجثث، الأمر الذي جعل التعرف الظاهري في كثير من الحالات أمرًا بالغ الصعوبة.
وتضمنت الشهادات الواردة في تقرير لجنة تقصي الحقائق وسائل مختلفة ساعدت في التعرف على بعض الضحايا، من بينها متعلقات شخصية مثل دبلة الزواج، والحذاء الرياضي، والجورب، وفردة الحلق، إلى جانب شريحة هاتف محمول.
وكان بين الضحايا فنانون ومسرحيون ونقاد وطلاب ومحبون للمسرح، فضلًا عن مجندين من قوات الدفاع المدني كانوا ضمن المشاركين في عمليات التأمين والإنقاذ.
وتضم قائمة الشهداء الواردة في المادة أسماء: إبراهيم الدسوقي، أحمد عبد الحميد، أحمد السيد أبو القاسم، أحمد محمد جودة، أحمد عزت عبد اللطيف، أحمد محمد فيومي، أحمد عرفة محمد، أحمد علي سليمان، أسماء محمد السيد، أشرف جابر سعيد، أشرف محمد عبد ربه، السيد رجب سعيد، أميرة حسين محمد، أيمن محمد الجندي، بهائي الميرغني، حازم شحاتة، حسن عبده حسن، حسن محمد أبو النصر، حسني محمدي أبو جويلة، خالد طه محمود، رائد محمد أبو المجد، ربيع محمد رمضان، رشا محمد ربيع، سامية جمال، سيد معوض عثمان، شادي منير الوسيمي، الدكتور صالح سعد، صلاح حامد مهدي، عبد الله محمد عبد الرازق، مازن محمد قرني، محسن السيد كامل، الدكتور محسن مصيلحي، الدكتور مدحت أبو بكر، محمد أحمد إبراهيم علي، محمد أحمد حسن، محمد أشرف حسني، محمد السيد أيوب، محمد رجب جاب الله، محمد شوقي الغريب، محمد صلاح حامد مهدي، محمد علاء الدين المصري، محمد علي منصور، محمد مصطفى حافظ، محمد يحيى صلاح، مؤمن عبده، نزار محمود سمك، نصر حسن جودة، هناء أحمد عطوة، ياسمين محمود نبيل صالح، وياسر ياسين.
كما تضمنت قائمة المصابين الواردة في المادة: أحمد حمدي طلبة، أحمد صلاح حامد، أسماء أحمد محمد، أشرف مجدي ويصا، إيمان أحمد محمد، جمال السيد ياقوت، حسام عبد العظيم، عادل حسان، الدكتور عزت سعد حسان، محمد حسين محمود، محمد سمير عويس، محمد عادل عبد المنعم، محمد عرفة ياسين، محمد سعيد العمروسي، محمد ممدوح حبيش، محمد يسري نجيب، محمود صلاح حامد، ومحمود محسن محمد.
استقالة وزير الثقافة وأحكام قضائية
كان للحادث صدى واسع على المستوى الرسمي والثقافي، إذ تقدم فاروق حسني، وزير الثقافة في ذلك الوقت، باستقالته من منصبه، إلا أن الرئيس الأسبق حسني مبارك رفض الاستقالة، فيما وقع أكثر من 200 فنان وأديب ومثقف على بيان طالب بسحبها.
وعلى المستوى القضائي، صدر في عام 2006 حكم من محكمة جنح بندر بني سويف ضد مصطفى علوي، رئيس هيئة قصور الثقافة آنذاك، وسبعة من الموظفين، بالحبس 10 سنوات مع الشغل وكفالة 10 آلاف جنيه لكل منهم، مع إلزام وزير الثقافة بدفع تعويضات لأهالي الضحايا.
وفي مارس 2007، برأت محكمة جنح مستأنف بني سويف أربعة من المتهمين، بينهم مصطفى علوي، وخففت الأحكام الصادرة بحق أربعة متهمين آخرين. وفي عام 2010 قضت محكمة مدني شمال الجيزة بإلزام وزارة الثقافة بدفع تعويض مدني قدره 100 ألف جنيه لأسرة إحدى ضحايا الحادث.
وعندما تولى الدكتور عماد أبو غازي، وزارة الثقافة، قرر اعتبار الخامس من سبتمبر من كل عام يومًا للمسرح المصري، تخليدًا لذكرى شهداء حريق قصر ثقافة بني سويف.


تعليقات