لم يكن انتقال معرض القاهرة الدولي للكتاب من أرض المعارض بمدينة نصر إلى مقره الحالي في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس مجرد تغيير في المكان، وإنما كان تحولًا في شكل المعرض وطريقة إدارته وقدرته على استيعاب الناشرين والجمهور والفعاليات، حتى أصبح الحدث الثقافي الأكبر في مصر أكثر اتساعًا وتنظيمًا وقدرة على استضافة صناعة النشر المصرية والعربية والدولية.
وفي سياق الحديث عن إنجازات الدولة بعد 30 يونيو، يبرز معرض الكتاب باعتباره أحد النماذج التي انتقلت من واقع المكان المحدود والزحام إلى مساحة أكثر اتساعًا وتجهيزًا، وهو ما انعكس على أعداد الناشرين والفعاليات والجمهور، وعلى طبيعة المعرض نفسه باعتباره تظاهرة ثقافية تتجاوز فكرة بيع الكتب إلى صناعة حدث ثقافي متكامل.
البداية من الجزيرة.. معرض الكتاب في قلب القاهرة
بدأ معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1969، وأقيمت دوراته الأولى بأرض المعارض في الجزيرة، في الموقع الذي توجد فيه دار الأوبرا المصرية حاليًا، واستمر المعرض هناك حتى عام 1983.
ومع مرور السنوات، لم يعد المكان قادرًا على استيعاب التطور المتزايد الذي شهده المعرض، سواء من حيث أعداد دور النشر والدول المشاركة، أو أعداد الجمهور، أو حجم البرنامج الثقافي والفني المصاحب.
ومع اتساع المعرض وتزايد الإقبال الجماهيري عليه، بدأت الحاجة إلى البحث عن مساحة أكبر، تتيح تنظيم الحدث بصورة أكثر ملاءمة وتوفر مساحة أوسع للناشرين والزائرين.
من الجزيرة إلى مدينة نصر.. «آخر الدنيا»
جاء الانتقال إلى أرض المعارض بمدينة نصر، وهو انتقال لم يكن سهلًا في البداية على الجمهور؛ فالمعرض الذي كان موجودًا في قلب القاهرة انتقل إلى منطقة كانت في ذلك الوقت بعيدة نسبيًا عن الكتلة العمرانية الرئيسية للعاصمة.
وتشير الروايات المرتبطة بتاريخ المعرض إلى أن الإعلان عن الانتقال أثار تساؤلات لدى الجمهور، ووصل الأمر إلى التساؤل عن كيفية الذهاب إلى مدينة نصر التي بدت آنذاك للكثيرين كأنها «آخر الدنيا».
لكن مع الوقت، أثبتت التجربة نجاحها، وتحولت مدينة نصر إلى العنوان الأشهر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب لعقود، واستقبلت أرض المعارض أجيالًا من المصريين الذين ارتبطوا بالمعرض باعتباره موعدًا سنويًا ثابتًا مع الكتاب والثقافة.
ومع زيادة أعداد الجمهور وتطور صناعة النشر، بدأت أرض المعارض بمدينة نصر نفسها تواجه تحديات المساحة والتنظيم، خاصة مع النمو الكبير في عدد المشاركين والفعاليات.
30 يونيو.. مرحلة جديدة في شكل معرض الكتاب
ومع الدولة المصرية بعد 30 يونيو، شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب نقلة جديدة تمثلت في الانتقال إلى مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس، الذي وفر مساحة وتجهيزات أكثر ملاءمة لطبيعة المعرض وتطوره.
وأتاح الموقع الجديد مساحة أكبر لتنظيم الأجنحة واستقبال الناشرين والجمهور، إلى جانب إمكانية تطوير البرنامج الثقافي والفني وإضافة مساحات وقاعات جديدة للفعاليات.
وبمرور الوقت، لم يعد المعرض مجرد مساحة لعرض الكتب وبيعها، وإنما أصبح حدثًا ثقافيًا متكاملًا يضم الندوات واللقاءات الفكرية وحفلات التوقيع والأنشطة الفنية وفعاليات الطفل والبرامج التفاعلية.
وفي دورته الـ56 عام 2025، أقيم المعرض على مساحة 55 ألف متر مربع، موزعة على 6 صالات عرض، وشارك فيه 1345 ناشرًا من 80 دولة، بإجمالي 6150 عارضًا، إلى جانب برنامج ثقافي تجاوز 600 فعالية.
من 7200 متر إلى أكبر معرض للكتاب
تكشف رحلة المعرض عن حجم التطور الذي طرأ على مساحته منذ انتقاله من الجزيرة.
فمع الانتقال إلى أرض المعارض بمدينة نصر، بدأت مساحة المعرض في حدود آلاف الأمتار، قبل أن تتوسع تدريجيًا مع زيادة عدد المشاركين والجمهور، حتى وصلت مساحة أرض المعارض إلى نحو 100 فدان، في واحدة من أكبر عمليات التوسع المرتبطة بالمعرض خلال تاريخه.
لكن التوسع لم يعد مرتبطًا بالمساحة وحدها؛ فزيادة أعداد الناشرين والفعاليات فرضت الحاجة إلى مركز معارض حديث قادر على التعامل مع حدث بهذا الحجم، وهو ما وفره المقر الجديد بالتجمع الخامس.
وأصبح الموقع الجديد أكثر قدرة على استيعاب الزيادة في أعداد دور النشر والعارضين، كما أتاح توزيع الفعاليات بصورة أكثر تنظيمًا، وخلق مساحات أكبر للحركة والخدمات والأنشطة المصاحبة.
1345 ناشرًا و80 دولة.. المعرض يوسع حضوره الدولي
وظهر أثر التطوير بوضوح في حجم المشاركة الدولية والمحلية.
ففي دورة 2025، شاركت 1345 دار نشر من 80 دولة، من بينها أكثر من 10 دول شاركت للمرة الأولى، فيما بلغ عدد العارضين 6150 عارضًا.
ولم يتوقف التطور عند عدد المشاركين، إذ شهد البرنامج الثقافي أكثر من 600 فعالية، إلى جانب مئات حفلات التوقيع والفعاليات المخصصة للأطفال، لتتحول أيام المعرض إلى برنامج ثقافي متواصل يجمع الكتاب بالمبدعين والجمهور.
كما شهدت الدورة نفسها استحداث محاور وبرامج جديدة، والتوسع في التعاون مع المؤسسات الثقافية واتحادات الناشرين، إلى جانب تعزيز حضور الترجمة والدبلوماسية الثقافية والموضوعات المرتبطة بالمستقبل والذكاء الاصطناعي وغيرها.
5 ملايين و547 ألف زائر.. الجمهور يحسم المعادلة
ولعل الرقم الأكثر دلالة على تطور المعرض وقدرته على استيعاب الجمهور جاء في ختام الدورة الـ56 عام 2025، عندما بلغ إجمالي عدد الزائرين 5 ملايين و547 ألفًا و970 زائرًا، وهو رقم أعلنت وزارة الثقافة أنه غير مسبوق مقارنة بالدورات السابقة.
ولم يكن هذا الحضور الكبير مجرد نتيجة لزيادة مساحة المكان، وإنما انعكاسًا أيضًا لتوسع البرنامج الثقافي وتنوعه، ووجود أنشطة تناسب الأطفال والشباب والأسرة والباحثين والمهتمين بمختلف مجالات المعرفة.
وأصبح المعرض يجمع بين الكتاب والندوة والعرض الفني وورش العمل وحفلات التوقيع واللقاءات مع الكتاب والمفكرين، بما جعله أقرب إلى مهرجان ثقافي واسع وليس مجرد سوق سنوي للكتب.
البراح صنع فرقًا
الانتقال من مدينة نصر إلى التجمع الخامس يمكن النظر إليه باعتباره انتقالًا من مرحلة كان فيها المكان نفسه يفرض حدودًا على نمو المعرض، إلى مرحلة أصبح فيها تصميم المكان وتجهيزاته جزءًا من قدرة المعرض على التوسع.
فالمساحة الأكبر سمحت بزيادة عدد الناشرين، وتوسيع الأجنحة، وإضافة صالات للعرض، وتنظيم الحركة داخل المعرض، وإقامة عدد أكبر من الفعاليات في الوقت نفسه.
كما أتاح الموقع الجديد تطوير الخدمات المقدمة للجمهور، وتوسيع الحضور الدولي، واستضافة فعاليات ثقافية وفنية متزامنة، بما يتناسب مع المكانة التي أصبح يحتلها معرض القاهرة الدولي للكتاب في خريطة معارض الكتب العربية والدولية.
معرض الكتاب.. من «مكان لبيع الكتب» إلى صناعة ثقافية
ومع هذا التطور، تغيرت وظيفة المعرض نفسه؛ فلم يعد الهدف مجرد جمع دور النشر في مكان واحد، وإنما أصبح المعرض مساحة لتفاعل الجمهور مع الثقافة بمختلف أشكالها.
فإلى جانب آلاف العناوين والإصدارات، أصبح هناك برنامج ثقافي واسع، وفعاليات للطفل، وندوات فكرية وأدبية، وحفلات توقيع، وعروض فنية، وأنشطة تفاعلية ورقمية، وشراكات مع مؤسسات واتحادات ثقافية وناشرين من مختلف دول العالم.
وهكذا، فإن قصة معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال العقود الماضية يمكن اختصارها في رحلة طويلة من الجزيرة إلى مدينة نصر، ثم من مدينة نصر إلى التجمع الخامس؛ رحلة فرضها نمو المعرض نفسه، وتزايد جمهوره، واتساع صناعة النشر، حتى أصبح المكان الجديد قادرًا على استيعاب طموح أكبر للحدث.
ومن معرض كان يخشى جمهوره في البداية من الانتقال به إلى «آخر الدنيا»، إلى معرض يستقبل أكثر من 5.5 مليون زائر ويجمع 1345 ناشرًا من 80 دولة، تبدو المسافة التي قطعها معرض القاهرة الدولي للكتاب أكبر من مجرد انتقال جغرافي؛ إنها رحلة تطور في البنية والتنظيم والمشاركة والجمهور، جعلت من المعرض واحدًا من أبرز مظاهر الحياة الثقافية المصرية المعاصرة.


تعليقات