خالد دومة يكتب: أبداً لن أعود

خالد دومة يكتب: أبداً لن أعود

قال لي القلم يومًا: اكتب

قلت: إن يدي مقطوعة، وأحرفي تتلاشى بين السطور إن حاولت أن أخطَّ بأحبار الأقلام المغتربة. يدي المقطوعة ترتعش، ولم أعد قادرًا على أن أحمل همومًا جديدة.


قال: اكتب بلا يدين، اكتب بعصارة القلب المسجون حين يُجلد، ويسقط من ثناياه دمًا. اكتب عن الجمال، عن الوردة الزرقاء، تذكر ليالي الأرق عند صفحة النهر، والماء يتدفق بين أشجار الكروم. اكتب عن الحياة، عن ليالي الأنس والسهر، عن الطفولة العرجاء، عن المقابر، وعن الموتى؛ من رحلوا ومن بقوا على قيد العذاب.


قف عند شاطئ النغم القديم، وانظر إلى البحر، ومدَّ يدك إليه طالبًا عاشقًا. اكتب عن ذبح الحضارة، عن التاريخ، عن الرهبان، عن شيوخ الإثم والبراءة، عن رحيق المعنى، وعن الصمت المتوغل في جوف الكهوف. اكتب عن كل شيء فقد رأيتك تكتب على علب الدخان، وعلى التراب، وترسم فتاةً وشجرةً ووردةً حزينة، وتكتب عن الدخان الصاعد إلى الخلاص، وعن الحروب، وسكنات الجيش، وموت الصبا.


صورتك ترافقني، فلماذا تموت ويبقى منك اليأس ويدٌ مقطوعة؟ لماذا لا تعود؟
كنت أراك قديمًا تهمس إلى الأشياء فتستجيب، وتقف عند الغروب تودع الشمس، وحين تشرق تستقبلها بالحنين. فأين أنت؟ لم يبقَ منك إلا البقايا، إلا القليل من الرماد. أين اختبأت بين الغصون؟ دمك أراه، وقلبك الذي فقدته فوق التراب أراه يستجمع نفسه كي يعود.


اكتب كي تعود، كي تبقى خالدًا وإن فارقت الحياة. كيف تموت وأنت حيٌّ؟ اكتب كي تكون، كي تعود البسمة الشقراء إلى الشفاه. اكتب، فإنني في الانتظار، أرقب عودة الشمس القديمة، وخطوات قدميك القديمة، لتنبت من جديد أصابع يديك المبتورة، ويعود قلبك الضائع.
كي تعود… اكتب، فإنني أنتظر كيما تمر من هنا، وتلمس ما مسته يد الجنون، وما ضل الطريق إلى الحياة. ابدأ السطر الأول من جديد، من بعيد، من سن الطفولة، من الميلاد، قبل أن تجيء إلى الدنيا، منذ كنت روحًا تهيم على عتبات قلبك المحموم.


إني أريد نسختي القديمة منك، أستحلفك أن تعود، تملأ الدنيا، وتنثر عواطفك نحو الحياة، وتنعشها بعطرك القديم. كنت أراك، وأحلم بأن أكون مثلك، لكنني لم أكن. يكفيني أنت، فلتعد.
أعد أحرف كلماتك القديمة، والمعاني التي اندثرت تحت وطأة أقدام الحاقدين. لا تجعل الانتظار وهمًا، ويموت كل شيء فيك.


…أتُرى، هل يمكن أن أعود بوجهي القديم وقلبي التائه؟ وكيف أعود كما أنا وأنا انتهيت؟ ضعت في زحمة الخراب المكدس فوق الرؤوس، وتحت اللحى، وبين العباءات الوقورة. كيف أعود وهذا قبري، وروحي مسجونة؟
ألم نقرأ الفاتحة على العهد القديم. أنا لن أعود بعد أن خرَّبتني السنين المضنيات، فلا تسأل كيف ماتُّ القلب بين الغصون، وكيف التفَّت أعواد البنفسج حول كاحلي لأختنق، وكيف تبددت الذكريات.


أنا، يا صديقي، غير عائد. لم يبقَ مني سوى الأرق، ورماد نثروه على الجيف. فأنا مثقل بأحجار أدمتها دوائر النسيان، وفقدان الذاكرة. وكيف أعيد ما تحطم، وأنقش فوق أطلالي عهدًا تبرم، وأعلن العصيان، ويثور بأضلعي كي تنكسر؟
كيف لمن شقَّ قلبه سيف الحنين أن يعود؟ فلن أعود كي أخط ملحمة جديدة من الخراب، وأشق قلبي نصفين من جديد، وأبعثر دمي تحت أقدام السائرين من جديد.


وأرقب الفجر الذي لا يجيء، وأظل أنتظر وهمًا جديدًا، وأذرف الدمع فوق جفن ملتهب من كثرة البكاء، والدعاء الذي لا يُستجاب.


فالأحرف الزهراء تقف في حلقي، ولن تعود إلى الظهور، إلى الخروج، كي ترفع المشانق، وتطلب الثأر، فأموت من جديد، ولحمي يحترق، ويسيل دمي فوق الثرى من جديد. أبداً لن أعود.