هل شعرت يومًا بأنك لا تستطيع التركيز أو أن ذهنك «ضبابي» رغم أنك نمت جيدًا؟ ربما يكون السبب نقص السوائل. فالماء ليس ضروريًا للجسم فقط، بل يلعب دورًا أساسيًا في عمل المخ والخلايا العصبية، وتشير مجموعة من الدراسات إلى أن الجفاف يمكن أن يجعل بعض المهام الذهنية أكثر صعوبة، وقد يؤثر على الانتباه واتخاذ القرار والتنسيق الحركي.
وتناول تقرير نشرته مجلة New Scientist العلاقة بين كمية السوائل التي يحصل عليها الإنسان وأداء المخ، مشيرًا إلى أن الأبحاث لا تقدم حتى الآن رقمًا سحريًا واحدًا يصلح للجميع، لكن الأدلة تشير بوضوح إلى أهمية تجنب الجفاف، خاصة أثناء الحر وممارسة الرياضة.
ماذا يفعل الماء داخل المخ؟
الماء ضروري لعمل الخلايا العصبية، ويساعد على نقل العناصر الغذائية اللازمة للخلايا والتخلص من الفضلات، كما يساهم في الحفاظ على الوظائف الطبيعية للجسم والمخ. وعندما يفقد الجسم كمية كبيرة من الماء، لا يقتصر الأمر على الشعور بالعطش، فقد تتأثر بعض الوظائف المعرفية أيضًا.
الجفاف قد يجعل المخ «يعمل بجهد أكبر»
في إحدى التجارب التي تناولها تقرير New Scientist، خضع 10 طلاب لاختبارات بعد ممارسة تمرينات أدت إلى فقدان كمية كبيرة من السوائل. وعند فحص نشاط المخ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، وجد الباحثون نشاطًا أكبر في شبكة دماغية مرتبطة بالانتباه وحل المشكلات أثناء الجفاف. وفسر الباحثون ذلك باحتمال أن المخ كان يحتاج إلى بذل مجهود أكبر لإنجاز المهمة نفسها، أي أن نقص السوائل قد يجعل الأداء الذهني أكثر استهلاكًا للطاقة.
هل يؤثر الجفاف على اتخاذ القرار؟
هناك دراسة صغيرة شملت 29 شخصًا بالغًا خضعوا لاختبارات معرفية بعد فترة امتدت 12 ساعة دون طعام أو ماء. وقبل إحدى جلسات الاختبار، حصل المشاركون على 500 ملليلتر من الماء، ووجد الباحثون تحسنًا في بعض اختبارات الحكم واتخاذ القرار التي تتطلب التفكير المتأني بدلًا من الاستجابة السريعة. لكن الباحثين أنفسهم حذروا من تفسير النتيجة باعتبارها دليلًا نهائيًا على أن شرب الماء يحسن الذكاء أو اتخاذ القرار، لأن الدراسة كانت صغيرة وهناك حاجة إلى أبحاث أكبر لتأكيد النتائج.
متى يبدأ الجفاف في التأثير على الأداء العقلي؟
تشير الأدلة التي استعرضها التقرير إلى أن فقدان أكثر من نحو 2% من وزن الجسم بسبب الماء قد يرتبط بضعف صغير لكنه قابل للقياس في بعض جوانب الأداء المعرفي، خصوصًا الانتباه والوظائف التنفيذية والتنسيق الحركي.
فمثلًا، الشخص الذي يزن 70 كيلوجرامًا، فقدان 2% من وزن جسمه بسبب السوائل يعادل نحو 1.4 كيلوجرام من الماء.
لكن التأثير لا يكون متطابقًا عند جميع الأشخاص، كما تختلف كمية السوائل التي يحتاجها الإنسان وفق العمر والطقس والنشاط البدني والحالة الصحية والغذاء.
هل قاعدة «8 أكواب مياه يوميًا» صحيحة؟
من أكثر النصائح انتشارًا ضرورة شرب 8 أكواب من الماء يوميًا، لكن احتياجات السوائل تختلف من شخص إلى آخر.
وأظهرت دراسة عالمية كبيرة، شملت أكثر من 5000 شخص تتراوح أعمارهم من حديثي الولادة حتى 96 عامًا، أن معدل حركة الماء داخل الجسم يختلف بصورة كبيرة حسب العمر والجنس والنشاط والحمل والبيئة وعوامل أخرى.
ووجدت الدراسة أن معدل دوران الماء كان أعلى لدى الرجال في العشرينيات والثلاثينيات، وبلغ في المتوسط نحو 4.3 لتر يوميًا، بينما بلغ لدى النساء بين 25 و60 عامًا نحو 3.4 لتر يوميًا.
لكن الرقم لا يعني أن هذه الكمية كلها يجب أن تأتي من زجاجة المياه، فجزء من الماء ينتجه الجسم خلال عمليات الأيض، كما يحصل الإنسان على كمية مهمة من السوائل من الطعام والمشروبات.
لا يوجد رقم واحد مناسب للجميع. والأفضل التفكير في إجمالي السوائل التي يحصل عليها الجسم من المشروبات والطعام، وليس كمية الماء الصافي فقط.
وتزداد الحاجة إلى السوائل في حالات مثل:
– الطقس الحار.
– ممارسة الرياضة.
– التعرق الشديد.
– الإصابة بالحمى أو القيء أو الإسهال.
– الحمل والرضاعة.
– بعض الحالات الصحية التي تزيد فقدان السوائل.
وفي المقابل، بعض الأشخاص الذين يعانون من أمراض معينة في القلب أو الكلى قد يحتاجون إلى تنظيم كمية السوائل وفق تعليمات الطبيب.
لون البول.. مؤشر عملي على الترطيب
يمكن أن يعطي لون البول فكرة تقريبية عن حالة الترطيب. فالبول الفاتح غالبًا ما يشير إلى حصول الجسم على كمية مناسبة من السوائل، بينما قد يكون البول الداكن علامة على الحاجة إلى المزيد من السوائل، مع وجود عوامل أخرى يمكن أن تغير لون البول، مثل بعض الأدوية والأطعمة. ولكن لا ينبغي الاعتماد على لون البول وحده في الحالات المرضية أو عند وجود أعراض واضحة للجفاف.
الأطفال.. الفئة التي تحتاج إلى تذكير بالشرب
الأطفال من الفئات التي قد تكون أكثر عرضة للجفاف، خاصة في الطقس الحار أو أثناء النشاط البدني. والسبب ليس فقط احتياج أجسامهم للسوائل، وإنما اعتماد الأطفال الأصغر سنًا بدرجة أكبر على البالغين في توفير المشروبات وتذكيرهم بالشرب. والأكثر أهمية أن بعض الأطفال قد لا يتوقفون عن اللعب لمجرد أنهم يحتاجون إلى الماء، ولذلك من المفيد جعل شرب الماء عادة منتظمة خلال اليوم، خصوصًا في المدرسة وأثناء ممارسة الرياضة.
وأشار التقرير إلى دراسة بريطانية على أطفال في التاسعة والعاشرة من العمر، وجدت أن 17% منهم كانوا يعانون من الجفاف في بداية اليوم الدراسي، وأن زيادة الجفاف ارتبطت بتدهور المزاج خلال اليوم وبأداء أقل في بعض اختبارات الذاكرة.
كبار السن أيضًا معرضون للخطر
مع التقدم في العمر قد تصبح إشارات العطش أقل وضوحًا، كما يمكن أن تقل قدرة الكلى على الاحتفاظ بالماء بكفاءة.
ولهذا قد يحتاج كبار السن إلى الانتباه إلى شرب السوائل بصورة منتظمة بدلًا من انتظار الشعور الشديد بالعطش.
هل الإفراط في شرب الماء مفيد للمخ؟
الهدف ليس شرب أكبر كمية ممكنة من الماء، وإنما الحفاظ على ترطيب مناسب. فالإفراط في شرب كميات كبيرة من الماء خلال فترة قصيرة يمكن أن يؤدي في حالات نادرة إلى انخفاض خطير في مستوى الصوديوم في الدم، وهي حالة تعرف باسم نقص صوديوم الدم.
لذلك، لا ينبغي تحويل فكرة «الماء مفيد للمخ» إلى سباق لشرب زجاجات ضخمة من الماء يوميًا.
7 طرق بسيطة للحفاظ على ترطيب جيد
1. لا تنتظر العطش الشديد
اشرب على فترات منتظمة، خاصة في الجو الحار.
2. احمل زجاجة مياه أثناء الخروج
وجود الماء أمامك يجعل تذكر الشرب أسهل.
3. اهتم بشرب الماء أثناء الرياضة
يزداد فقدان السوائل مع التعرق، لذلك يحتاج الرياضيون إلى تعويض السوائل وفق مدة وشدة النشاط والطقس.
4. لا تنسَ أن الطعام يحتوي على الماء
الفواكه والخضراوات والشوربة وغيرها يمكن أن تساهم في إجمالي السوائل اليومية.
5. اجعل الماء متاحًا للأطفال في المدرسة
خصوصًا أثناء الأيام الحارة والأنشطة الرياضية.
6. انتبه لكبار السن
لا تعتمد فقط على الشعور بالعطش لتحديد الحاجة إلى السوائل.
7. لا تجبر نفسك على كمية ثابتة
احتياجك قد يتغير من يوم إلى آخر حسب الحرارة والنشاط والغذاء والحالة الصحية.
الماء ليس مجرد وسيلة لإطفاء العطش، الترطيب الجيد يساعد الجسم والمخ على العمل بصورة طبيعية، بينما يمكن للجفاف أن يجعل بعض المهام الذهنية أكثر صعوبة.
وتشير الدراسات التي استعرضتها New Scientist إلى أن الجفاف قد يرتبط بتأثر الانتباه والوظائف التنفيذية والتنسيق الحركي، كما قد يجعل المخ يبذل مجهودًا أكبر لأداء بعض المهام.
لكن العلم لا يدعم وجود رقم سحري من أكواب الماء يصلح لجميع الأشخاص، كما أن احتياجات السوائل تختلف باختلاف العمر والجنس والنشاط والطقس والحالة الصحية.
لذلك، الرسالة الأهم ليست «اشرب 8 أكواب مهما كان»، وإنما اشرب بانتظام، وزد السوائل عندما تفقد كمية أكبر بسبب الحر أو الرياضة، وانتبه للأطفال وكبار السن، ولا تبالغ في شرب الماء.


تعليقات