لا تقتصر أسرار الحضارة المصرية القديمة على المعابد والمقابر التي ما زالت قائمة حتى اليوم، فهناك مدن كاملة ازدهرت لقرون، ثم اختفت ملامحها تدريجيًا تحت طبقات الأرض، أو طمرتها رواسب النيل، أو أقيمت فوقها تجمعات عمرانية حديثة.
وبينما تكشف أعمال التنقيب الأثري عن أجزاء من هذه المدن، لا تزال مساحات واسعة منها مدفونة، لتطرح سؤالًا عن حجم ما يمكن أن تخبئه أرض مصر من آثار لم تُكتشف بعد.
يرتبط اختفاء هذه المدن بمجموعة من العوامل، وليس بسبب واحد فقط. فمناطق واسعة من مصر، خصوصًا في الدلتا ووادي النيل، تعرضت على مدار آلاف السنين لتراكم رواسب الطمي، بينما ساهمت المياه الجوفية والفيضانات في طمر أو تدمير بعض المنشآت. ولهذا لا يمكن النظر إلى ما يظهر فوق سطح الأرض باعتباره الصورة الكاملة للمدن المصرية القديمة؛ ففي كثير من المواقع، توجد مدينة أخرى تحت المدينة الحالية، تنتظر أن تكشف الحفائر تدريجيًا عن شوارعها ومعابدها ومبانيها وحياة سكانها.
منف.. عاصمة مصر التي غابت تحت الأرض
تُعد منف، أو من نفر، واحدة من أهم المدن في تاريخ مصر القديمة، وكانت عاصمة البلاد خلال عصر الدولة القديمة، كما احتفظت بمكانتها طوال فترات طويلة من التاريخ المصري.
تقع بقاياها بالقرب من ميت رهينة على بعد نحو 20 كيلومترًا جنوب الجيزة، وكانت تتمتع بموقع استراتيجي عند مدخل دلتا النيل، ما جعلها مركزًا مهمًا للتجارة والإدارة والعبادة.
وكان ميناؤها الرئيسي، المعروف باسم بيرو نفر، منطقة نشطة تضم الورش والمصانع والمخازن، بينما احتلت المدينة مكانة دينية بارزة باعتبارها مركزًا لعبادة الإله بتاح.
ومع انتقال الثقل السياسي والاقتصادي تدريجيًا إلى مدن أخرى، وعلى رأسها الإسكندرية في العصور المتأخرة، تراجعت أهمية منف، ثم تعرضت مبانيها وأحجارها للتفكيك وإعادة الاستخدام.
ولم يبقَ من المدينة العظيمة سوى أجزاء متناثرة من آثارها، إلا أن موقعها الأثري لا يزال يقدم شواهد مهمة على واحدة من أقدم عواصم مصر.
أون.. مدينة الشمس المدفونة أسفل القاهرة
ومن المدن التي اختفت معظم معالمها أون، التي عُرفت لاحقًا باسم هليوبوليس. كانت أون مركزًا دينيًا بالغ الأهمية، وارتبط اسمها بعبادة الشمس، وأصبحت واحدة من أهم المراكز الفكرية والدينية في مصر القديمة. ومع مرور آلاف السنين، اختفت المدينة القديمة إلى حد كبير تحت العمران الحديث في مناطق عين شمس والمطرية بالقاهرة.
وتكشف أعمال التنقيب الأثري في المنطقة من حين إلى آخر عن بقايا تعيد رسم صورة المدينة القديمة، التي كانت تضم معابد ومنشآت دينية، وترتبط بمركز مهم للمعرفة والفلك والرياضيات والفكر الديني في مصر القديمة.
وتكمن المفارقة في أن جزءًا من المدينة التي كانت يومًا مركزًا حضاريًا كبيرًا أصبح اليوم يقع أسفل واحدة من أكثر مناطق القاهرة ازدحامًا بالسكان.
تل أتريب.. مدينة مصرية عمرها 4500 عام اندثرت ملامحها تحت العمران
تُعد تل أتريب، الواقعة شمال شرقي مدينة بنها بمحافظة القليوبية، واحدة من المدن المصرية القديمة التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وكانت لها أهمية كبيرة في تاريخ الدلتا المصرية، قبل أن تتوارى أجزاء واسعة من معالمها تحت طبقات الأرض والعمران الحديث.
ويرجع تاريخ المدينة، وفق ما تشير إليه المصادر الأثرية، إلى عصر الأسرة الرابعة، في عهد الملك سنفرو، مؤسس الأسرة، نحو عام 2613 قبل الميلاد، ما يجعل تاريخ أتريب يعود إلى ما لا يقل عن 4500 عام.
كانت أتريب عاصمة الإقليم العاشر من أقاليم مصر السفلى، ضمن التقسيم الإداري الذي وضعه المصريون القدماء للدلتا، وعُرفت المدينة في النصوص المصرية القديمة باسم «حت-حري-إيب»، ويُفسر الاسم بمعنى «مقر الوسط»، بينما عُرفت في العصر اليوناني باسم أتريبس.
ومع مرور آلاف السنين، تغيرت طبيعة المنطقة وتعرضت بقايا المدينة القديمة لعوامل مختلفة، بينما امتد العمران الحديث حول الموقع الأثري، فأصبحت أجزاء من أتريب القديمة مدفونة تحت طبقات الأرض.
بوتو.. مدينة المعبودة واجت
وفي دلتا النيل تقع بوتو، المعروفة حاليًا باسم تل الفراعين بالقرب من دسوق بمحافظة كفر الشيخ. احتلت المدينة مكانة دينية مهمة في مصر القديمة، وارتبطت بصورة خاصة بعبادة الإلهة واجت، التي اتخذت هيئة الكوبرا، وكانت من أهم المعبودات المرتبطة بحماية الملكية المصرية.
ويُرجع ارتباط واجت بالمنطقة إلى طبيعة البيئة القديمة، التي كانت تضم أحراشًا ومناطق مائية تنتشر فيها الزواحف، لتصبح المعبودة لاحقًا رمزًا للحماية.
كما ارتبطت بوتو بعبادة عدد من المعبودات الأخرى، من بينها حورس وإيزيس وآمون رع، وهو ما ساعدها على الاحتفاظ بأهميتها الدينية عبر عصور مختلفة.
لكن المدينة تعرضت لعوامل متعددة أدت إلى اندثار أجزاء كبيرة منها، من بينها التدمير البشري والعوامل الطبيعية وارتفاع منسوب المياه الجوفية، ورغم ذلك، لا تزال الأرض تحتفظ ببقايا المدينة، وتواصل بعثات أثرية مصرية وأجنبية أعمال التنقيب في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.


تعليقات