محروس ناننس

“يا صابر الصبر صبرنا بصبر المتصبرين، وصوب صبابك على قلوب الصبايا المتصبصبين”.. إلى آخر قصيدة “صبصبين”، كلمات الشاعر المبدع محروس ناننس في واحد من أروع أفلام السينما المصرية، فيلم الكيف.. لا أعرف لماذا قفز هذا المشهد إلى ذهني عندما خرج علينا أحد السادة المذيعين ليخبرنا أنه بالبحث والتحري والقراءة وجد أن سبب تقدم الصين هو صبر شعبها..
وحقيقة لا أعرف على وجه الدقة أسماء الكتب التي استقى منها معلوماته، ولا عن أي دور النشر صدرت، ولا إذا ما كانت هذه المعلومات وردت في أوراق بحثية جاءته من مراكز بحثية عليها القيمة أم لا؟! كل ما أنا متأكدة منه أن صبر الشعوب وحده لا يصنع التقدم، وعندما بحثت أنا عن أسباب تقدم الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وجدتها خالية من الصبر.
فعلى سبيل المثال لا الحصر تقدمت الصين بعد ماو تسي تونج لأنها ومنذ عام 1987 اتبعت خطوات الإصلاح الاقتصادي بالتدريج، وليس بالصدمات المفاجئة التي اتبعتها بعض الدول الاشتراكية فانهارت، كما أنها وضعت خططا خمسية تطبق بحزم وصرامة واحترام للوقت، وأيضا اتجاه الصين إلى اقتصاد السوق بشكل تدريجي وفق إمكاناتها المتاحة.
والسبب الأهم من وجهة نظري لتقدم الصين هو اهتمامها بالتعليم الحقيقي والبحث العلمي الصحيح، وتشجيع الكفاءات والمبتكرين واحتضانهم ووضعهم في الصفوف الأولى واستغلالها لعدد سكانها الهائل، كقوة منتجة وسوق محلية أيضا بالإضافة إلى اهتمامها بالإنتاج في مجالات تميزت بها خاصة التكنولوجيا وغيرها من الصناعات المهمة، التي أهلت الصين لغزو الأسواق العالمية.
وغير ذلك كثير جدا من وسائل وأسباب تقدم الصين، والتي بالتأكيد ليس من بينها صبر الشعب الصيني وبالتأكيد أساتذة الاقتصاد أولى مني بالحديث عن هذا الأمر.
إن آفة الإعلام هو الفتي والتحدث بغير علم، ما جعله يفقد مصداقيته لدى المتلقي، فانصرف الشعب عنه طواعية، والذي إن تحدثنا على صبره لن تكفينا الكلمات ولا المداد، ولعل تلك السيدة الرائعة التي ظهرت لنا صورتها وهي تحمل طفلها بين ذراعيها وعلى ظهرها حقيبة طلبات كي تحصل على دخل شريف بعد أن تركت عملها هي وزوجها عنوة دليل صبر مقنع لكل ذي عقل.
وهؤلاء الآباء والأمهات المكلومين على أبنائهم ضحايا لقمة العيش الذين خرجوا من أجل 100 جنيه يومية أليسوا صابرين؟ وغيرها نماذج كثيرة من هذا الشعب الطيب الذي يطالبونه بالصبر بينما علا وجوههم تان الساحل.

تعليقات