في اكتشاف علمي قد يغير فهم العلماء للوسواس القهري، حدد فريق دولي من الباحثين 36 جينًا ترتبط بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بالوسواس القهري واضطرابات العُرّات المزمنة، بشكل يوضح كيف يمكن للعوامل الوراثية أن تؤثر في الدوائر العصبية المرتبطة بتكوين العادات والتحكم في السلوك والحركة.
الدراسة الحديثة، التي نُشرت في دورية Nature Neuroscience، اعتمدت على تحليل بيانات التسلسل الكامل للإكسوم، وهو الجزء من الحمض النووي الذي يحتوي على الجينات المسئولة عن تصنيع البروتينات، وشملت بيانات 3964 شخصًا يعانون من الوسواس القهري أو اضطرابات العُرّات أو الحالتين معًا.
36 جينًا تكشف جانبًا جديدًا من الوسواس القهري
وجد الباحثون 36 جينًا عالي الثقة مرتبطة باضطراب الوسواس القهري واضطرابات العُرّات، وهو توسع كبير مقارنة بعدد محدود من الجينات التي كانت الأدلة العلمية السابقة تربطها بشكل قوي بهذه الاضطرابات.
ومن بين الجينات التي ظهرت في الدراسة CELSR3 وCHD8 وSCUBE1 وWWC1، إلى جانب جينات أخرى مثل BRWD1 وQRICH1 وSYNE1.
وأوضحت النتائج أن بعض هذه الجينات لا تعمل بشكل منفصل، وإنما تتجمع داخل شبكات ومسارات بيولوجية مشتركة في الدماغ، ما يشير إلى أن الوسواس القهري قد يرتبط بخلل في مجموعة من العمليات العصبية وليس بجين واحد بعينه.
هل يوجد «جين للوسواس القهري»؟
رغم قوة الاكتشاف، لا تعني النتائج أن هناك جينًا واحدًا مسئولًا عن الإصابة بالوسواس القهري.
فالوسواس القهري اضطراب معقد تتداخل فيه عشرات أو مئات العوامل الجينية، بالإضافة إلى عوامل بيئية وعصبية أخرى.
وتشير مراجعة حديثة نشرت في Current Psychiatry Reports إلى أن الدراسات الجينية للوسواس القهري كشفت خلال السنوات الأخيرة عن شبكة واسعة من العوامل الوراثية التي تسهم في قابلية الإصابة بالاضطراب، بدلًا من وجود سبب وراثي واحد مباشر.
ما علاقة الجينات بالمخ؟
أظهرت التحليلات أن الجينات المكتشفة ترتبط بمناطق ومسارات في الدماغ لها دور في التحكم في الحركة، تكوين العادات، تنظيم السلوك واتخاذ القرار.
كما وجد الباحثون تداخلًا بين بعض عوامل الخطر الجينية للوسواس القهري واضطرابات العُرّات واضطرابات نمائية عصبية أخرى، بما في ذلك اضطراب طيف التوحد والفصام.
ولا يعني هذا أن الشخص المصاب بالوسواس القهري سيصاب بالتوحد أو الفصام، وإنما يشير إلى وجود بعض الآليات البيولوجية المشتركة بين عدد من الاضطرابات العصبية والنفسية.
الدراسة تكشف مفاجأة عن حجم تأثير بعض الجينات
من أبرز نتائج الدراسة أن بعض الطفرات النادرة المرتبطة بهذه الجينات يمكن أن يكون لها تأثير كبير نسبيًا على خطر الإصابة.
ووفقًا للباحثين، وصلت نسب زيادة الخطر المرتبطة ببعض التغيرات الجينية إلى مستويات مرتفعة للغاية، لكن هذه النتائج لا تعني أن وجود الطفرة وحده يكفي لتشخيص الوسواس القهري أو التنبؤ بشكل مؤكد بإصابة شخص معين بالمرض.
هل يمكن أن تؤدي النتائج إلى علاج جديد؟
يرى الباحثون أن اكتشاف هذه الجينات يمكن أن يساعد العلماء على فهم الآليات البيولوجية للوسواس القهري بشكل أفضل، كما قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات تستهدف مسارات عصبية محددة بدلًا من الاعتماد فقط على علاج الأعراض.
لكن هذه الخطوة لا تعني أن هناك علاجًا جينيًا للوسواس القهري متاحًا حاليًا، إذ تحتاج النتائج إلى مزيد من الدراسات لفهم وظيفة كل جين وكيف تؤثر طفراته في خلايا الدماغ والدوائر العصبية.
وتشير Nature Neuroscience إلى أن النتائج توفر أساسًا لدراسة نماذج بيولوجية جديدة للوسواس القهري واضطرابات العُرّات، وربما تحديد أهداف علاجية جديدة في المستقبل.
ما هو الوسواس القهري؟
الوسواس القهري اضطراب نفسي عصبي يتميز بوجود أفكار أو صور ذهنية متكررة ومُلِحّة تسبب القلق أو الضيق، وقد تدفع الشخص إلى أداء أفعال أو طقوس متكررة للتخفيف من هذا الشعور.
وقد تشمل الأعراض الخوف المفرط من التلوث، الحاجة إلى التحقق المتكرر، الترتيب بشكل قهري، أو أفكارًا متطفلة لا يستطيع الشخص التخلص منها بسهولة.
وتؤكد النتائج الجديدة أن فهم الوسواس القهري لا ينبغي أن يقتصر على الجانب النفسي فقط، بل يجب النظر إليه باعتباره اضطرابًا معقدًا تشترك في تكوينه الجينات والدوائر العصبية والعوامل البيئية.


تعليقات