سر طقم الصينى نجم النيش المصرى.. كيف أصبح أشهر الأوانى فى العالم؟

سر طقم الصينى نجم النيش المصرى.. كيف أصبح أشهر الأوانى فى العالم؟

لا يكاد يخلو أي بيت مصري من “طقم الصيني” الشهير، ذلك الكنز الذي تعتز به الأمهات وتفرد له مساحة خاصة داخل “النيش” وتهتم باقتنائه لجهاز عرس بناتها ربما منذ طفولتهن، يحتفظ هذا الطقم بمكانة مميزة تتجاوز كونه مجرد أوانٍ لتناول الطعام؛ فهو يمثل رمزاً للرقي والضيافة، ولا ينزل عن عرشه الزجاجي إلا في المناسبات الكبرى ولاستقبال أهم الضيوف، فما هي القصة الحقيقية وراء هذه القطع الأنيقة التي تحمل اسم بلد نشأتها؟ وكيف بدأت رحلتها من أقاصي الشرق لتغزو موائد العالم؟

 

ما الفرق بين الفخار العادى والصينى؟

الفرق الجوهري يكمن في المواد والحرارة، حسب موقع “sinocultural” يصنع الفخار العادي من طين خشن ويحرق في درجات حرارة منخفضة، أما الخزف الصيني فيصنع أساساً من مادة “الكاولين”، ويحرق في أفران تصل حرارتها إلى ما بين 1200 و1400 درجة مئوية. هذه الحرارة الهائلة، وعملية “التزجيج”، هي ما يمنح “الصيني” صلابته، ومقاومته للماء، وشفافيته الساحرة التي تميزه عن أي خزف آخر.

الخزف الصيني (3)
طقم الصيني 

 

سر الريادة الصينية في أطباق الخزف

بدأت رحلة الخزف في الصين قبل قرون طويلة، حيث تطورت الأواني الخزفية المبكرة خلال عهد أسرة “شانغ” (1600–1046 قبل الميلاد) لتصل إلى شكلها الأبيض الشفاف والمثالي خلال أسرتي “سوي” و”تانغ” (581–907 ميلادياً). وسرعان ما وجدت هذه الإبداعات طريقها إلى العالم الإسلامي الذي قدر قيمتها عالياً.

بلغت الصناعة ذروة مجدها خلال عهد أسرة “مينغ”، حيث ظهر الطراز الشهير باللونين “الأزرق والأبيض”، وازدهرت الصادرات عبر طريق الحرير لتشمل آسيا وأفريقيا وأوروبا. ومع دخول التجار البرتغاليين ثم الهولنديين، أصبح الصيني مصدراً للفخر الإمبراطوري. استمر هذا الازدهار في عهد أسرة “تشينغ”، وتحديداً تحت حكم الإمبراطور “كانغشي” الذي أعاد تنظيم الصناعة، ليصبح الخزف المطلي بالمينا والمزخرف بألوان مثل “الوردي العائلي” Famille-rose مطلباً للأثرياء حول العالم لمتانته وألوانه الزاهية وتكلفته المعقولة.

 

السر الذي حير الفرنسيين

في أوروبا، كان الخزف الصيني بمثابة لغز محير. في عام 1686، تلقى الملك لويس الرابع عشر 1500 قطعة من الخزف كهدية من سفارة سيام، ورغم انبهار الفرنسيين بها، إلا أن سر الصناعة ظل غائباً. استمرت المحاولات الأوروبية حتى نجح الكاهن اليسوعي “فرانسوا كزافييه دي إنتريكول” في كشف التقنية الصينية لصناعة العجينة الصلبة بين عامي 1712 و1722. أرسل الكاهن عينات من المواد إلى أوروبا، مما مهد الطريق لاحقاً لتأسيس مصانع كبرى مثل مصنع “سيفر” Sèvres الفرنسي، ومصنع “شانتيلي” الذي منحه لويس الخامس عشر براءة اختراع لصناعة خزف يقلد الطراز الياباني.

الخزف الصيني (2)
الخزف الصيني 

اللمسة الإنجليزية واختراع “البون تشاينا”

لم تقف إنجلترا مكتوفة الأيدي في سباق الخزف. في عام 1742، قدمت أول أواني طعام من العجينة اللينة. لكن التطور الأهم حدث في عام 1749 عندما حصل “توماس فراي” على براءة اختراع لوعاء خزفي يحتوي على رماد العظام، وهو ما عرف لاحقاً باسم “الخزف العظمي” (Bone China) الذي أتقنه “يوشيا سبود”.

مع اكتشاف رواسب الكاولين في كورنوال الإنجليزية عام 1768، بدأت إنجلترا في إنتاج خزف صلب ينافس نظيره الصيني، لتسيطر على السوق الأوروبية وتطيح بالمنافسة القارية بحلول أواخر القرن الثامن عشر.

 

تأثير متبادل يربط العالم

لم تكن تجارة الخزف مجرد عملية بيع وشراء، بل كانت جسراً ثقافياً. فمنذ عهد أسرة “سونغ” الصينية التي أسست موانئ لتسهيل التصدير، ألهمت القطع الصينية صناع الفخار في كوريا واليابان والشرق الأوسط.

المثير للاهتمام أن التأثير كان متبادلاً؛ فقد كان المستوردون يطلبون أشكالاً وتصميمات محددة تناسب أذواقهم، وبمرور الوقت، تغلغلت هذه التصميمات الأجنبية في ثقافة الصناعة الصينية نفسها لتصبح جزءاً من الأدوات المنزلية المحلية، ليصبح “طقم الصيني” بحق أداة تاريخية لتبادل الفنون والتصاميم بين شعوب الأرض، وصولاً إلى استقراره كضيف شرف دائم في منازلنا.