نائب وزير الخارجية السابق: زيارة رئيس الصين لمصر ترسخ رؤية مشتركة لإعادة تشكيل النظام الدولي

نائب وزير الخارجية السابق: زيارة رئيس الصين لمصر ترسخ رؤية مشتركة لإعادة تشكيل النظام الدولي


نائب وزير الخارجية السابق: زيارة رئيس الصين لمصر ترسخ رؤية مشتركة لإعادة تشكيل النظام الدولي

كشف السفير أبو بكر حفني نائب وزير الخارجية السابق، عن الرؤية المصرية الصينية لتسوية الأزمات وبناء نظام دولي جديد، مشيرًا إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين تتجاوز الجوانب الثنائية.

القيادتان تؤمنا بأن السلام المستدام لا يتحقق عبر القوة بل عبر الحلول الدبلوماسية والتنمية المشتركة

وأوضح حفني في تصريحات خاصة لـ«الوطن» أنه في مشهد دولي يشهد تحولات عميقة نحو التعددية القطبية، تتجاوز زيارة الرئيس الصيني لمصر الإطار الاحتفالي للعلاقات الثنائية لتُرسّخ رؤية مشتركة لإعادة تشكيل النظام الدولي.

وأكد نائب وزير الخارجية السابق أن هذه الزيارة تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية التي بدأت 1956، حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، مما يمنح الشراكة عمقاً تاريخياً واستراتيجياً، مشددًا على أن القيادتان تؤمنا بأن السلام المستدام لا يتحقق عبر القوة، بل عبر الحلول الدبلوماسية، والتنمية المشتركة، وبناء نظام عالمي متوازن يُعيد الاعتبار لدول الجنوب العالمي.

وتحدث حفني عن المحاور الأساسية للرؤية المشتركة والتي يأتي في مقدمتها تغليب الدبلوماسية وحل النزاعات بالطرق السلمية مشيرًا أن هناك مبدأ ثابت للبلدين حيث تؤكد المباحثات بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جينبينج على توافق الرؤى بشأن ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات، ورفض توسيع دائرة الصراع.

خفض التصعيد الإقليمي هو مسار اتفاق بين القاهرة وبكين

وأشار إلى أن خفض التصعيد الإقليمي هو مسار اتفاق بين البلدين حيث تتفق القاهرة وبكين على ضرورة خفض التصعيد في الشرق الأوسط، ودعم الجهود للتوصل إلى اتفاق شامل لوقف الحروب الدائرة، مع التمسك بحل الدولتين كأساس عادل للقضية الفلسطينية ورفض التهجير القسري، ويمتد هذا التوافق ليشمل ليبيا، السودان، ولبنان، مع التأكيد على الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها علي كامل ترابها الوطني والحفاظ علي مؤسساتها الوطنية وعلي رأسها الجيش.

كما ترفض القاهرة وبكين التدخلات الخارجية حيث يتشارك البلدان في مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وهو ما ينعكس في مواقفهما من الأزمات الإقليمية والدولية.

وأكد نائب وزير الخارجية السابق على تلاقي الرؤيتان حول ضرورة تأمين الممرات المائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وقناة السويس، اللذين يمثلان قلب مبادرة الحزام والطريق، وأن أي اضطراب في هذه الممرات يُهدد سلاسل الإمداد الدولية وأمن الطاقة، وهو ما يتطلب تنسيقاً دولياً للحماية دون توسيع عسكري.

وأشار إلى أن تأكيد الصين، التي لا تمتلك سوى قاعدة واحدة في جيبوتي، أنها ليست دولة توسعية، يعزز ثقة مصر في الشراكة الأمنية دون اصطفاف عسكري ضد أطراف أخرى.

اتفاق على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة

واستعرض تشديد الدولتين على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واللجوء إلى التفاوض كآلية رئيسية لتسوية النزاعات، مع احترام مخرجاته وعدم فرض حلول أحادية، وكذلك دعم الحلول السياسية في الملفات الساخنة (كالأزمة السودانية والليبية)، حيث يلتقي الموقفان على دعم المسار السياسي الجامع ورفض أي محاولات لتقسيم الدول أو فرض الأمر الواقع.

ولفت إلى أنه في يوليو 2025، وقّعت مصر المرحلة الأولى من برنامج مبادلة الديون مع الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي (CIDCA)، لتصبح أول دولة على مستوى العالم تبرم هذا النوع من الاتفاق مع الصين، حيث يستهدف البرنامج تحويل جزء من التزامات الديون إلى تمويل لمشروعات تنموية ملموسة، مما يخفف ضغط خدمة الدين ويُوجّه الموارد لقطاعات أولوية، وتشمل المرحلة الأولى تطوير منظومة الأطراف الصناعية لدعم التصنيع المحلي وتقليل الاستيراد، وإنشاء مختبرات للأمان الحيوي من المستوى الثالث (BSL-3) لدعم الأمن الصحي والبحث العلمي، وتوفير برامج تدريبية تستهدف 2000 فرصة تدريبية حتى 2027 لنقل الخبرات الإدارية والفنية، حيث يُنفّذ البرنامج ضمن استراتيجية التعاون الإنمائي المشترك (2025–2029)، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.

تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس

وأشار إلى أن الرئيسين المصري والصيني أعلنا تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في خطوة تنقل الشراكة من التمويل إلى الإنتاج المشترك وتوطين الصناعة، حيث تضم المنطقة حالياً أكثر من 200 مصنع باستثمارات تفوق 4.7 مليار دولار، وتوفر 11 ألف فرصة عمل، وتركز المرحلة الجديدة على قطاعات المستقبل، مثل الطاقة المتجددة، صناعة السيارات، المنسوجات، والكيماويات.
· الهدف الاستراتيجي: لا يُنظر لهذه المنطقة كمجمع صناعي فقط، بل كـ قاعدة تصديرية للأسواق الأوروبية والأفريقية، ونموذج لتعميق سلاسل التوريد، حيث وُصفت بأنها تحول في التعاون من نقل التكنولوجيا إلى صناعتها من خلال بناء قدرات محلية وموردين مصريين.

وأكد أن التعاون في الفضاء نموذجاً ناجحاً، حيث جعل هذا المشروع مصر أول دولة أفريقية تمتلك قدرات كاملة لتجميع واختبار الأقمار الصناعية، مع خطط لتوسيع التعاون في تقنيات الفضاء، وضرب مثلًا بالقمر الصناعي مصر سات 2.

وأوضح أن أجندة التعاون أيضاً تشمل إنشاء مدينة للعلوم والذكاء الاصطناعي، ونقل الخبرات في مجالات الروبوتات، البطاريات، والاتصالات، بما يُخرج التعاون من التجارة التقليدية إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

الرؤية المشتركة إلى نظام متعدد الأقطاب والتوازن

وتحدث نائب وزير الخارجية السابق عن الرؤية المشتركة إلى نظام متعدد الأقطاب والتوازن، وهو ما يُعطي مساحة أكبر لدول الجنوب العالمي في صياغة القرارات الدولية، ذلك يشمل إصلاح مؤسسات مثل مجلس الأمم المتحدة لتقييد استخدام حق النقض (الفيتو) وزيادة تمثيل الدول النامية.

كما تحدث عن التنسيق في المحافل الدولية، حيث يعمل البلدان معاً في تجمعات مثل بريكس حيث تعتبر مصر هي اكبر مساهم في بنك التنمية الجديد التابع للتكتل من خارج الدول المؤسسة، ومنظمة شنجهاي للتعاون (التي انضمت إليها مصر كشريك حوار) لبناء جبهة موحدة تدافع عن مصالح الدول النامية، دون أن يكون ذلك مواجهة مع الغرب، بل سعياً لـ عدالة في التمثيل.

وتحدث أيضأ عن نموذج المنفعة للجميع حيث يقوم النظام الجديد على نموذج تنموي قائم على الربح المشترك ورفض الشروط السياسية الصارمة، حيث تُعد مبادرة الحزام والطريق والمنطقة الصناعية بقناة السويس تجسيداً عملياً لهذا المبدأ.

واختتم نائب وزير الخارجية السابق تصريحاته بأن الشراكة المصرية الصينية تشكل نموذجاً استراتيجياً للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، حيث تتكامل الأدوات السياسية الدبلوماسية وتعدد الأطراف، والاقتصادية مبادلة الديون والمناطق الصناعية، والتكنولوجية الفضاء والذكاء الاصطناعي في رؤية واحدة لتحقيق السلام عبر التنمية.

هذه الرؤية لا تهدف إلى استبدال قطب بآخر، بل إلى تحرير خيارات الدول من ثنائيات الحرب الباردة، وبناء نظام دولي يقوم على الاحترام المتبادل والتوازن الحقيقي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الشراكات مع جميع القوى الدولية الفاعلة.