النجيب يعبر.. النجيب يمر
هذه الصورة
هذه الصورة فحسب
هي بالنسبة لي نجيب محفوظ
نجيب محفوظ الحقيقي.. بلا تنكر
العظيم الذي عاش طوال عمره متخفيًا، مرتديًا زيًا بسيطًا يناسب مهنة التخفي التي اختارها،
موظف بسيط يؤدي واجباته بإتقان مناسب،
التواضع حد الوداعة كان من أدواته أيضا، والسخرية حتى الموت ضحكا كانت من بين أزيائه المفضلة،
لكن هذه الصورة فضحته، يمشي كبناة الأهرام في سالف الدهر، خشنًا كمروّض أنياب المفترسات، طويلًا كتمثال رمسيس، مترفعًا كالنخيل، لينًا كالأعناب،
صورة تبث في قلبك الخشية والاستسلام، وقد جاءت الصورة له وهو يعبر الطريق، وكأنها تمنحنا دليل العبور، كن كالنجيب عن الأحقاد مرتفعًا.. ثم اكمل طريقك ولا تلتفت
لا نرى في هذه الصورة ما مر به من صعوبات وما جاوزه من إحباطات وما اجتازه من اختبارات،
لكننا نراه بعد عشرات السنين، فتنطبع في أذهاننا ما كوّنه عبر عشرات السنين من شموخ ومكانة.. نراه في التاريخ تاريخًا، ونراه في الطريق علامة، ونراه بين الكبار الأكبر.
كان النجيب يسير في رحلته كالوادي بين الجبال، يحسبه الجهال ماءً،
تنمو حوله الحشائش التافهة فيعرف أنها ليست أكثر من علامات على فيض الأثر وكرم المؤثر
أعتبر هذه الصورة نتيجة مباشرة للحظة ملل،
ملّ النجيب من التخفي في صورة درويش حينًا وموظف حينًا، وابن بلد حينًا، وأخرج كامل الفرعونية من داخله دفعة واحدة،
تقدمت قدمه اليسرى كعادة تماثيل الفراعنة، وارتفعت قدمه اليمنى عن الأرض كرمسيس أو تحوتمس، وارتقت رأسه عن النظر إلى ما دونها، واستقامت يداه كملك يخفي صولجانه،
وقف الزمن في تلك الصورة، ووقفت السيارات والحافلات،
النجيب يمر، النجيب يعبر.
ألف حرب خاضها المحفوظ،
ألف حرب وحرب، لكنه خاضها على طريقته، هو يعرف كيف يلاعب أعداءه بالصمت، يعرف كيف يرد السهام بالتخفي، يعرف أن معركته الحقيقية مع الرواية القادمة، لا مع الحشائش المتسلقة أو الآفات المنتشرة،
ارتفع ثم ارتفع، خضع لفنه وجاهد، صام عن التدني فظفر، ارتقى فانحنت له الرؤوس، تطاول طولًا وعرضًا، تطاول شرقًا وغربًا، استعارة بساطة الماء فأثمر، واستعار النار الضوء فأنار.
النجيب يعبر .. النجيب يمر.. النجيب يعيش.

نجيب محفوظ

تعليقات