الشاى بين القاهرة وبكين.. حكاية مشروب وحد مزاج المصريين والصينيين

الشاى بين القاهرة وبكين.. حكاية مشروب وحد مزاج المصريين والصينيين

رغم المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بين القاهرة وبكين إلا أن هناك خيطاً حريرياً غير مرئي يربط بين الثقافتين الشعبية المصرية والصينية، يتلخص في كوب دافئ تتصاعد منه أبخرة تحمل مذاقًا خاصًا وعمقًا تاريخيًا؛ فإذا جلس مصري وصيني على طاولة واحدة، قد تعيقهما اللغة، لكنهما سيتفقان حتماً على أن الشاي ليس مجرد مشروب، بل هو أسلوب حياة، ورمز للضيافة، وجزء لا يتجزأ من “المزاج” اليومي.

الشاي في مصر.. من مشروب نخبوي إلى معشوق الجماهير

في مصر كلمة “الشاى” تعني الكثير. دخل هذا المشروب الساحر إلى البلاد مع الاحتلال البريطاني عام 1882، وكان في بدايته مشروباً تقتصر متعة تذوقه على النخبة. ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تسلل الشاي إلى قلوب المصريين ليتربع على عرش المشروبات الشعبية بلا منازع.

اليوم تستهلك مصر ما بين 65 إلى 85 ألف طن من الشاي سنوياً مستوردة من كينيا، سريلانكا، والهند. وأصبح الشاي في مصر طقساً يومياً يُشرب صباحاً، ظهراً، ومساءً. هو بطل جلسات المقاهي الشعبية، ورفيق جلسات الاسترخاء في البيوت، ولا يخلو منه أي تجمع عائلي أو مائدة ضيافة.

شاي بالنعناع
شاي بالنعناع

الصين.. حيث وُلد الشاي من رحم الأساطير

إذا كان المصريون قد برعوا في طقوس شرب الشاي، فإن الصينيين هم من أهدوه للعالم. فحسب موقع “studycli” تبدأ القصة بأسطورة الإمبراطور “شينونغ” أبو الزراعة والطب الصيني، الذي اكتشف الشاي مصادفة عندما سقطت ورقة من شجرة “كاميليا سينينسيس” في وعاء ماء مغلي كان يجلس تحته، ليفوح عطرها ويولد أول كوب شاي في التاريخ.

شاي صيـني
شاي صيـني

وكما حدث في مصر، بدأ الشاي كدواء لعلاج النخبة في عهد سلالة “هان”، لكنه تحول إلى مشروب شعبي في عهد سلالة “تانغ”، حيث كان الرهبان البوذيون يعتمدون عليه للبقاء متيقظين أثناء فترات التأمل الطويلة. وفي تلك الحقبة، كُتب أول مرجع في العالم عن الشاي وهو “كلاسيكية الشاي” للكاتب “لو يو”. والمثير للدهشة أن الشاي قديماً كان يُضغط في قوالب صلبة تُستخدم كـ “عملة نقدية” للتجارة.

وفي عهد سلالة “مينغ”، تحول الصينيون إلى استخدام “أوراق الشاي السائبة” المألوفة لنا اليوم. وعندما وصل الشاي إلى بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر، جن جنون الإنجليز به، مما أدى إلى خلل تجاري دفع بريطانيا لتصدير الأفيون إلى الصين، وهو ما أشعل “حروب الأفيون” الشهيرة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل أرسلت شركة الهند الشرقية البريطانية عالِم النباتات والمغامر “روبرت فورتشن” في مهمة تجسس سرية لسرقة بذور الشاي الصيني وأسرار زراعته ونقلها إلى الهند، مما أنهى احتكار الصين لتجارة الشاي لقرون، قبل أن تعود الصين مؤخراً لتتربع على عرش التصدير العالمي.

 

ألوان الشاي الصيني.. نبتة واحدة ومذاقات مختلفة

يظن الكثيرون أن أنواع الشاي تأتي من نباتات مختلفة، لكن الحقيقة أن كل أنواع الشاي الأصيلة تنبثق من نبتة واحدة وهي “كاميليا سينينسيس”، حيث يكمن السر وراء هذه العوالم المختلفة في عملية “التخمير” أو الأكسدة التي تمر بها الأوراق؛ فنجد الشاي الأبيض غير المخمر الذي يتميز بطعمه الرقيق والخفيف والحلو، يليه الشاي الأخضر المخمر قليلاً ذو الطعم العشبي الطازج ومن أشهره “بيلوتشون”.

أما شاي “أولونغ” نصف المخمر فيجمع ببراعة بين النكهات الزهرية ومذاق التحميص كنوع “داهونغباو”، وصولاً إلى الشاي الأسود المخمر بالكامل ذي الطعم القوي والجريء والذي يُطلق عليه الصينيون اسم “الشاي الأحمر” نسبة للون المشروب، وهناك أيضاً شاي “بوير” “Pu’er” المخمر لاحقاً بطعمه الترابي الداكن والقوي.

شاي صيني
شاي صيني

طقوس تقديم الشاي في الصين

في الصين يعتبر تقديم الشاي فناً يُعرف باسم حفل “جونغ فو تشا”، يُستخدم فيه وعاء “جايوان” أو أباريق الطين البنفسجي “ييشينغ”، مع أكواب صغيرة جداً. وأول صبة للشاي لا تُشرب. بل تُستخدم لغسل الأوراق وتدفئة الأكواب، ثم يُسكب المشروب للضيوف.

ومن العادات اللطيفة في جنوب الصين، أن يقوم الضيف بالنقر بإصبعيه “السبابة والوسطى” على الطاولة عند تقديم الشاي له كعلامة للشكر، وتعود هذه العادة لأسطورة الإمبراطور “تشيان لونغ” الذي كان يسافر متخفياً وصب الشاي لخادمه، وبدلاً من أن يركع الخادم ويفضح هوية الإمبراطور، قام بثني أصابعه والنقر بها على الطاولة كبديل للركوع.

 

الشاي الصيني في مواجهة “القهوة الغربية”

اليوم يعيش الشاي الصيني مرحلة انتقالية. فرغم أن الشاي بفقاعات اللؤلؤ “Bubble Tea” وشاي الحليب يكتسحان الأسواق بين الشباب، إلا أن صعود مقاهي القهوة الغربية يمثل تحدياً جديداً، حيث يعتبرها الشباب رمزاً لأسلوب الحياة الحديث.