وعي المصريين.. حصن أسقط رهانات الفوضى ودعوات التخريب الإخوانية
وعي المصريين.. حصن أسقط رهانات الفوضى ودعوات التخريب الإخوانية
كتب- أحمد محيي:
منذ عام 2013، واجهت الدولة المصرية اختبارات متتالية لم تقتصر على التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وإنما امتدت إلى محاولات التأثير في وعي المواطنين واستهداف الثقة في مؤسسات الدولة، بالتزامن مع ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة، وفي قلب هذه المواجهة برز وعي المصريين وقدرتهم على التمييز بين الخلاف السياسي المشروع وبين الدعوات التي تستهدف دفع المجتمع نحو الفوضى، لتتحول وحدة المصريين وتماسكهم إلى أحد أهم خطوط الدفاع في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار.
وعلى مدار السنوات الماضية، استغلت جماعة الإخوان الإرهابية ومؤيدوها في الخارج أزمات ووقائع مختلفة لإعادة إنتاج خطاب يستهدف الدولة، بالتوازي مع توظيف منصات إعلامية ورقمية في نشر الشائعات والمعلومات المضللة وتضخيم الأزمات، وتقاطعت بعض هذه التحركات مع أجندات وجهات خارجية سعت إلى الضغط على الدولة المصرية واستغلال نقاط التوتر الداخلية، إلا أن محاولات صناعة حالة مستمرة من الاحتقان اصطدمت بواقع مختلف، تمثل في إدراك قطاعات واسعة من المصريين لطبيعة التحديات التي تواجه الدولة وخطورة الانزلاق إلى الفوضى.
من الخلاف السياسي إلى معركة الوعي
لم تعد معركة الاستقرار تدور فقط في الشوارع أو على الحدود، وإنما انتقلت بدرجة كبيرة إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الشائعة والصورة المجتزأة والمعلومة غير الدقيقة أدوات يمكن استخدامها للتأثير في الرأي العام، خاصة مع سرعة انتشار المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق يرى الدكتور أحمد سمير عارف، المتخصص في قضايا الأمن القومي والاستراتيجي، أن وعي المصريين في مواجهة الأزمات ليس ظاهرة جديدة، وإنما يمتد إلى تجارب تاريخية مختلفة أثبت خلالها المجتمع قدرته على وضع الخلافات جانبا عندما يتعلق الأمر بحماية الدولة والمجتمع.
وأوضح عارف، في تصريحات لـ«الوطن»، أن المجتمع المصري واجه عبر تاريخه حروبًا وتهديدات خارجية وأزمات اقتصادية واجتماعية وكوارث، وظل إدراك خطورة انهيار الدولة وتفكك المجتمع حاضرًا في الوعي العام، وهو ما يمثل رصيدًا مهمًا في مواجهة البيئة الأمنية المعقدة حاليا، التي لم تعد المخاطر فيها تأتي فقط من خارج الحدود، وإنما يمكن أن تنتقل عبر الشائعات والمنصات الرقمية وخطابات التحريض والاستقطاب.
وعي المصريين في مواجهة الشائعة والتحريض
ويشير خبير قضايا الأمن القومي، إلى أن الوعي الموضوعي يبدأ من إدراك الفارق بين معارضة السياسات ومعاداة الدولة، مؤكدا أن النقد حق والاختلاف أمر طبيعي، بل قد يكون ضروريًا لتصحيح المسار وكشف مواطن الخلل، إلا أن الموقف السياسي يفقد جزءا من قيمته عندما يتجاهل الواقع والظروف والمصلحة العامة والنتائج المترتبة على المواقف، وتبرز أهمية هذا الطرح في ظل محاولات استغلال الأزمات وتحويلها إلى وقود للاستقطاب، إذ يمكن لواقعة حقيقية أو غضب مشروع أن يتحول عبر التناول المضلل إلى أداة لإثارة الفوضى، من خلال معلومات مجتزأة أو شائعات أو خطابات تحريضية، وهو ما جعل معركة الوعي جزءًا أساسيًا من معركة الحفاظ على استقرار المجتمع.
وخلال السنوات الماضية، لم تتوقف محاولات استغلال الأوضاع الداخلية في مصر عن طريق إعادة تدوير الأزمات وتقديمها في سياقات تستهدف تعميق الإحباط وفقدان الثقة، بينما عملت جماعة الإخوان الإرهابية على توظيف منصاتها الإعلامية والرقمية في دعم هذا الخطاب، بالتزامن مع محاولات بعض الأطراف الخارجية استخدام الأزمات الداخلية للضغط على الدولة المصرية.
لكن هذه الرهانات اصطدمت بقدرة المجتمع على التمييز بين المشكلات الحقيقية التي تحتاج إلى حلول وبين الخطابات التي تستخدم تلك المشكلات كمدخل للفوضى، فالمواطن الذي يطالب بتحسين الخدمات أو مواجهة ارتفاع الأسعار أو إصلاح خلل في أحد القطاعات لا يعني بالضرورة أنه يقبل تحويل مطالبه إلى مشروع لهدم مؤسسات الدولة.
ويؤكد عارف أن المجتمع الواعي لا يعني مجتمعًا متفقًا على كل شيء، وإنما مجتمع يمتلك القدرة على التمييز بين النقد الذي يستهدف الإصلاح والخطاب الذي يدفع إلى الفوضى، وبين التعبير عن الغضب واستغلاله لهدم مؤسسات الدولة، مشيرا إلى أن الحوار واتساع المجال العام يظلان من المتطلبات الأساسية لحيوية المجتمع، شريطة ألا يتحول كل خلاف إلى معركة هدم، أو تتحول كل أزمة إلى فرصة للفوضى، لأن النتيجة النهائية في هذه الحالة لا تصب في مصلحة المواطن الذي يفترض أن تكون الممارسة السياسية من أجله.
ويوضح المتخصص في قضايا الأمن المجتمعي، أنه مع تطور أدوات الاتصال، أصبح استهداف وعي المجتمع أكثر تعقيدا، فلم تعد الرسائل السياسية تأتي في صورة بيانات مباشرة أو خطابات واضحة، وإنما يمكن تمريرها عبر فيديو قصير أو منشور مجهول المصدر أو صورة قديمة يعاد تقديمها في سياق جديد، بما يجعل القدرة على التحقق والتفكير النقدي ضرورة وليست رفاهية، لافتا إلى أن صمود المجتمع أمام دعوات الفوضى لا يرتبط فقط بالإجراءات الأمنية، وإنما بامتلاك المواطن أدوات تمكنه من التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد والتحريض، وبين المطالبة بالإصلاح ومحاولات استغلال الأزمات لهدم الدولة.
وفي النهاية، يختصر الدكتور أحمد سمير عارف جوهر المعركة في أن «إصلاح وبناء الدولة شيء، وهدمها شيء آخر تمامًا»، وهي معادلة تضع الوعي في موقعه الحقيقي باعتباره خط الدفاع الأول عن المجتمع، وحصنًا يحول دون تحويل الأزمات والخلافات إلى وقود للفوضى، ويجعل من وحدة المصريين وتماسكهم عنصرًا أساسيًا في تجاوز التحديات مهما تعددت مصادرها وأشكالها.


تعليقات