في مضيفة الحاج مسعود العامرة، توافد وجهاء القرية إلى سهرتهم مبكراً، وعلى غير العادة فوجئ الحضور بالحاج مسعود يسأل عن محروس.
تبادل الجالسون النظرات، ثم قال أحدهم ساخراً: وإيه اللى فكرك بالواد العبيط ده يا حاج؟
لكنهم سرعان ما عرفوا أن السؤال لم يكن من باب الاشتياق، فمحروس كان قد خرج منذ مدة لقضاء طلبات السهرة ولم يعد.
كان الحاج مسعود قد أرسله إلى صيدلية الدكتور رمزي ليشتري بعض الأقراص المخدرة والعقاقير التى اعتادت شلة الأنس تناولها لتختصر الطريق إلى ذلك العالم الموازي، حيث سعادة زائفة لا تدوم إلا بقدر ما يدوم مفعول القرص.
لكن ما حدث في الطريق لم يكن في الحسبان.
بينما كان محروس متجها إلى الصيدلية صادفه أحد جيرانه وأخبره أن أمه المسنة أصابتها نوبة سعال شديدة، لم ينتظر محروس كلمة أخرى..
نسي الحاج مسعود طلبات السهرة والصيدلية وهرول ناحية البيت، وما إن اقترب من الباب حتى سمع سعال أمه يتردد في الداخل، حادا متقطعا كأن كل سعلة تنتزع قطعة من قلبه، وقف لحظة عاجزا، ثم استدار مسرعا وعاد إلى صيدلية الدكتور رمزي، لعل الطبيب يخبره بما يفعل أو يعطيه دواءً يخفف عنها آلامها.
كان الدكتور رمزي يرتدي معطفه الأبيض كأنه درع من البراءة، وكانت صيدليته في قلب القرية تبدو للناس منارة للعلاج والدواء
لكن خلف الأرفف المرتبة والعلب الملونة، كانت هناك تجارة أخرى لا يعرفها إلا أصحابها.
اختار رمزي منذ سنوات طريقا أسرع إلى المال، فتحولت الأقراص المخدرة والمؤثرات العقلية إلى مصدر ثرائه الحقيقي، وأصبح باب الصيدلية بعد منتصف الليل أكثر ازدحاما من بابها في وضح النهار.
لم يعد المكان صيدلية فقط.
صار وكرا أنيقا لبيع السموم.
مدمنون، وأصحاب كيف، وشباب يبحثون عن وهم سريع، يدخلون ويخرجون بعيدا عن الروشتات والرقابة.
وكان رمزي مثل كثيرين من أهل القرية، يرى في محروس مجرد عيل عبيط لا يفهم ولا يربط بين ما يراه وما يسمعه.
لذلك لم يكن يتحفظ أمامه.
رآه أكثر من مرة يفتح المخزن الخلفي، وعرف محروس مواضع الصناديق السرية، ورأى أكياس الأقراص غير المسجلة، وسمع أسماء بعض الزبائن، وشاهد دفاتر لا تشبه دفاتر الحسابات العادية.
وكان رمزي مطمئنا، فمن ذا الذي سيصدق محروس؟
وحين وصل محروس تلك الليلة إلى الصيدلية يستنجد به لعلاج أمه، كان رمزي يتسلم شحنة جديدة من الأقراص الممنوعة.
ارتبك للحظة عندما رآه.. ثم انفجر فيه امشي يا محروس مش فاضي لك دلوقتي.
حاول محروس أن يشرح أمي يا دكتور تعبانة قوي وبتكح.
لكن رمزي دفعه ناحية الباب بعصبية.. قلت لك امشي! ثم أُغلق الباب في وجهه.
وقف محروس لحظات أمام الصيدلية، ولأول مرة لم ينس الإهانة كما اعتاد أن ينسى سخرية أهل القرية.
نسي طلبات الحاج مسعود، ونسي السهرة، بل كاد ينسى للحظات حتى سبب مجيئه، ولم يبق في رأسه إلا شيء واحد رمزي.
استدار واتجه مباشرة إلى دوار العمدة عبد الرحيم.
كان العمدة عبد الرحيم رجلا إذا جلس في مجلسه خفتت الأصوات من حوله دون أن يطلب الصمت.. نظرة ثابتة وصوت عميق وهيبة لا تقوم على الخوف بقدر ما تقوم على احترام الناس لرجل لا يظلم ضعيفًا ولا يحابي قويا، وكان على عكس معظم أهل القرية يرى في محروس انسانا قبل أن يرى فيه ما يراه الآخرون.. لم يسمح لأحد أن يسخر منه في حضرته، وكان إذا غاب محروس اياما أرسل من يسأل عنه وعن أمه، ولهذا لم يتردد محروس في الذهاب إليه.
جلس أمامه وقص عليه كل ما يعرف حكى عن المخزن الخلفي وعن الصناديق وعن الأقراص وعن الزبائن وعن الدفاتر، وعندما انتهى اقترب من العمدة وقال بصوت خافت بس يا عمدة… والنبي ما تقولش إني أنا اللي قلت لك… دول ناس وحشة.
نظر إليه عبد الرحيم طويلًا، ثم قال “روح لأمك يا محروس والباقي سيبه على”، لم يستهِن العمدة بكلمة واحدة مما سمع، وفي الليلة نفسها تواصل مع الجهات الأمنية المختصة، ونقل إليهم التفاصيل كما رواها محروس، دون أن يكشف مصدرها.
بدأت المراقبة، وتتابعت الخيوط، حتى جاءت الليلة التي لم يكن رمزي يتوقعها.
كان في الغرفة الخلفية يفرز شحنة جديدة من الأقراص الممنوعة، حين دوت طرقات عنيفة على الباب الزجاجي، رفع رأسه، لم تكن طرقة مريض يستنجد، ولا يد مدمن تبحث عن قرص، كانت قبضة القانون.
وفي ثوان اقتحمت مباحث مكافحة المخدرات المكان، فُتح المخزن السري، وتناثرت الصناديق، وظهرت آلاف الأقراص، وسقطت دفاتر الحسابات السوداء في أيدي رجال الأمن.
وقف رمزي وسط صيدليته مذهولًا، يبحث بعينيه الزائغتين عن تفسير واحد لما جرى، لكنه لم يخطر بباله ولو للحظة أن الرجل الذي أسقط إمبراطوريته كلها هو ذلك الذي كان يسخر منه كلما رآه “محروس”.
وفي مساء اليوم التالي، عادت مضيفة الحاج مسعود إلى سيرتها الأولى، الشاي يصب، والشيشة تدور، والوجوه نفسها تتحدث في كل شيء بثقة من يعرف ومن لا يعرف، جلس الحاج مسعود ووجهاء القرية يتبادلون عشرات الروايات عن سقوط رمزي.
واحد قال إن الشرطة كانت تراقبه منذ سنوات، وآخر أقسم أن أحد منافسيه أبلغ عنه، وثالث ادعى أنه كان يعرف منذ البداية أن رمزي آخرته وحشة، وفي وسط كل ذلك، كان محروس يدور بينهم كعادته، يصب الشاي، ويبدل حجارة الشيشة، ويمسح الأرض، وكلما مر من أمامهم صاح أحدهم تعالى يا محروس يا عبيط هات لنا شاي، فيبتسم محروس ويكمل طريقه دون كلمة، لم يعرف أحد منهم أن عبيط القرية كان يعرف الحقيقة كلها.
أما في دوار العمدة عبد الرحيم، فجلس الرجل أمام فنجان قهوته، يتطلع إلى ضوء الصباح وهو يتسلل بين البيوت، ابتسم ابتسامة خفيفة، لقد تأكد مرة أخرى أن البشر لا تقاس عقولهم بما يقوله الناس عنهم، وأن كلمة صادقة من رجل يحتقره الجميع قد تهدم إمبراطورية بناها رجل ظن نفسه أذكى من الجميع.
وفي مضيفة الحاج مسعود، ارتفع صوت أحد الوجهاء من جديد، يا محروس يا عبيط. الشاي فين؟.
ظهر محروس من آخر المضافة يحمل الصينية، وعلى وجهه ابتسامته المعتادة، نظر إليهم للحظة، ثم قال بهدوء حاضر يا سادة، ومضى ولم يعرف أحد يومها من كان عبيط القرية حقا.


تعليقات