طائرة مسيرة غامضة وسيارة مرسيدس.. قصة الاشتباه في تجسس صيني فوق قاعدة أمريكية

طائرة مسيرة غامضة وسيارة مرسيدس.. قصة الاشتباه في تجسس صيني فوق قاعدة أمريكية


طائرة مسيرة غامضة وسيارة مرسيدس.. قصة الاشتباه في تجسس صيني فوق قاعدة أمريكية

في ربيع عام 2025، عندما بدأت السلطات الأمريكية عملية بحث غامضة قرب منشأة عسكرية حساسة لاختبار الصواريخ في ولاية نيو مكسيكو، حينها، رصد المسؤولون طائرة مسيرة رباعية المراوح تحلق فوق المجال الجوي المحظور المحيط بميدان «وايت ساندز»، وهو منطقة اختبارات عسكرية وميدان رماية تابع للجيش الأمريكي، في نمط بدا وكأنه عملية استطلاع متعمدة.

ولم تكن هذه المرة الأولى، إذ سبق رصد طائرة مماثلة فوق القاعدة نفسها في خريف 2024، ما دفع عملاء الجمارك وحماية الحدود إلى مطاردتها لنحو 35 ميلًا باستخدام مروحيات وطائرات مسيّرة، قبل أن تعبر إلى المجال الجوي المكسيكي، حيث اضطروا إلى التوقف دون معرفة الجهة التي كانت تتحكم بها أو الهدف من تحليقها، لكن هذه المرة قرر المسؤولون التعامل معها بطريقة مختلفة، وفقًا لتحقيق أجرته شبكة «CNN» الأمريكية.

تتبع الأجسام الطائرة مجهولة المصدر

على مدار نحو خمسة أيام، وبين عواصف ترابية وأحوال جوية سيئة، واصلت الطائرة تحليقها ذهابًا وإيابًا فوق ميدان وايت ساندز، وشُكّلت فرقة مشتركة ضمت ممثلين عن الجيش ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي، إلى جانب مكتب البنتاجون المختص بتتبع الأجسام الطائرة مجهولة المصدر، لمراقبة تحركاتها ومحاولة تحديد الجهة التي تقف خلفها.

وفي النهاية، استخدمت السلطات أدوات للحرب الإلكترونية لإجبار الطائرة على الهبوط داخل موقف سيارات في القاعدة، قبل أن يتأكد المسؤولون من أنها غير مزودة بمتفجرات.

في الوقت نفسه، كانت السلطات تراقب مجموعة من المواطنين الصينيين داخل سيارة «مرسيدس» مستأجرة بالقرب من الموقع، ووفقًا لمسؤول أمريكي سابق ومصدر آخر مطلع على العملية، وصل أفراد المجموعة إلى نيويورك جوًا، ثم استأجروا السيارة وقادوها عبر البلاد إلى لاس فيجاس لاصطحاب شخص ثالث، قبل التوجه جنوبًا نحو وايت ساندز.

ولم يكونوا وحدهم محل اهتمام السلطات، فقد رُصدت أيضًا امرأة صينية وصلت إلى تكساس على متن سفينة سياحية، واستأجرت سيارة وتوجهت إلى منتزه وايت ساندز الوطني القريب، حيث بقيت داخل المنتزه بعد إغلاق بواباته.

صلات بالاستخبارات الصينية

لاحقًا، أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي مسؤولين عسكريين وعناصر من الجمارك وحماية الحدود بأن الأشخاص يُعتقد أن لديهم صلات بالاستخبارات الصينية، بحسب مصدرين مطلعين على القضية.

راقبت السلطات المركبتين في محاولة لفهم صلتهما ببعضهما البعض وبالطائرة المسيّرة، قبل أن تنتهي العملية باحتجاز المجموعتين، وألقي القبض على المجموعة القريبة من القاعدة وتسليمها للسلطات الفيدرالية، بينما حررت وزارة الداخلية مخالفة بحق المرأة قبل إطلاق سراحها.

ولم تتمكن CNN من تحديد ما حدث لهؤلاء الأشخاص لاحقًا، لكن المسؤولين توصلوا إلى وجود صلة بين المجموعتين بعد العثور على معلومات تعريفية تخص المرأة داخل المركبة الأخرى.

ورفض الجيش ومكتب التحقيقات الفيدرالي التعليق على الحادثة، بينما امتنعت إدارة الجمارك وحماية الحدود عن التعليق على الحالات المحددة المتعلقة بتوغلات الطائرات المسيّرة، من جانبها، نفت السفارة الصينية علمها بالواقعة، ووصفت الاتهامات المتعلقة بتورط الصين في أنشطة تجسس بأنها «تكهنات لا أساس لها».

إبرة التجسس وسط فوضى الطائرات المسيّرة

تُعد حادثة وايت ساندز واحدة من عدد متزايد من التوغلات التي تنفذها طائرات مسيّرة فوق منشآت عسكرية ومناطق حكومية محظورة داخل الولايات المتحدة، وفي كثير من الحالات، يكون المسؤولون أمام احتمالات متعددة: هواة، أو مهربون، أو سياح، أو جهات أجنبية تسعى لجمع معلومات استخباراتية.

لكن انتشار الطائرات المسيّرة الرخيصة وسهلة التشغيل جعل من الصعب التمييز بين الاستخدام العادي ومحاولات التجسس، كما جعل تعقب المشغلين وتحديد هوياتهم أكثر تعقيدًا.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن بعض التحقيقات تعتمد في كثير من الأحيان على الشكوك والقرائن أكثر من الأدلة القاطعة، ما يجعل من الصعب إثبات وجود صلة مباشرة بين مشغلي الطائرات وأجهزة استخبارات أجنبية.

وتعتقد أجهزة الأمن الأمريكية أن الصين قد تستخدم مدنيين لجمع معلومات عن أهداف عسكرية، سواء من خلال الضغط عليهم أو تقديم حوافز لهم، فيما يبدو أن بعض المواطنين الصينيين داخل الولايات المتحدة قد يقدمون على مثل هذه الأنشطة من تلقاء أنفسهم دون توجيه مباشر من مسؤول استخباراتي.

لكن القلق لا يقتصر على التجسس، فالمسؤولون الأمريكيون يخشون أيضًا من إمكانية استخدام الطائرات المسيّرة في هجمات ضد البنية التحتية الحيوية أو التجمعات المدنية.

ورغم تأكيد مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية عدم وجود مؤشرات على مخطط نشط من جانب جماعات مرتبطة بإيران أو تنظيمات إرهابية مثل داعش، فإن سهولة الحصول على هذه التكنولوجيا تجعل السيناريوهات المحتملة مصدر قلق متزايد.

وتصاعدت هذه المخاوف بعد سرقة 15 طائرة زراعية مسيّرة في ولاية نيوجيرسي، بسبب إمكانية استخدامها كوسيلة لنقل مواد خطرة، قبل أن تتمكن السلطات لاحقًا من استعادتها.

ودفعت المخاوف المتزايدة السلطات الأمريكية إلى توسيع صلاحيات استخدام أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، ففي عام 2026، حصلت وكالة الاستخبارات المركزية على صلاحيات تسمح لشرطتها بتعطيل الطائرات المسيّرة وإجبارها على الهبوط عندما تشكل تهديدًا لمنشآت الوكالة، كما توسعت صلاحيات حكومات الولايات والسلطات المحلية في استخدام هذه الأنظمة.

وفي التجمعات العامة الكبرى، كثفت الأجهزة الفيدرالية إجراءات الحماية. وأنشأ مكتب التحقيقات الفيدرالي مناطق حظر للطائرات المسيّرة حول مواقع كأس العالم، معلنًا أنه رصد نحو 1600 طائرة مسيّرة غير قانونية وصادر أكثر من 700 منها قبل المباراة النهائية.

لكن المسؤولين يقولون إن هناك مواقع لا تزال تقع في منطقة رمادية من حيث المسؤولية الأمنية، ومن بينها مراكز البيانات الخاصة التي تحتوي على كميات ضخمة من المعلومات الحكومية الحساسة.