شاهدته كثيرا فى أماكنه الشهيرة التى كان يرتادها واستمعت اليه كثيرا، لكنى كنت صاحب واحدة من الفتاوى الدينية المثيرة للجدل والتى أصبحت قضية رأى عالم عالمي..فتوى بقتل نجيب محفوظ!
بالطبع لست أنا الذى أصدرت الفتوى ولكن من مفتى الجماعات الاسلامية الشيخ الراحل عمر عبدالرحمن الذى أفتى أيضا بقتل الرئيس الراحل أنور السادات.
كنت قد أجريت حوارا صحفيا «هو الأول والأخير» للشيخ عمر لصحيفة الأنباء الكويتية بمقرها على نيل العجوزة بالقاهرة، وللحوار قصة.
قبل الجلسة والحوار كانت القاهرة وباقى عواصم العالم العربى وعدد ليس بالقليل من المدن الكبرى فى العالم لا حديث لها ولا كلام ولا كتابة سوى عن نجيب محفوظ، فقد فاز الأديب الكبير بجائزة نوبل فى الأداب يوم 13 أكتوبر عام 1988، وراحت وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة وقتها تلاحقه وتطارده فى كل مكان يتردد عليه خاصة أماكن وسط القاهرة فى السنوات الأخيرة، من مكتبه فى صحيفة «الأهرام» العريقة إلى مقهى على بابا بميدان التحرير وحتى كازينو قصر النيل الشهير والذى احتضن لسنوات كثيرة جلسات «الحرافيش»
خبر فوزه بجائزة نوبل رغم سعادته وسعادتنا وفرحنا بها، قد أحال حياته الهادئة والتقليدية بعض الشىء إلى حالة من الصخب والضجيج.
مشواره اليومى إلى «على بابا» وسيره على الأقدام من منزله بالعجوزة وحتى ميدان التحرير ليطالع الجرائد ويحتسى قهوته المفضلة ثم العودة إلى المنزل تخلى عنه جبريا، حتى «قعدة الحرافيش» التى كانت تضم ثروت أباظة وصلاح جاهين «لم يستمرا كثيرا» وأحمد مظهر وتوفيق صالح ومحمد عفيفى والتلامذة يوسف القعيد وجمال الغيطانى، انقطع عنها بسبب مطاردة وملاحقة وسائل الاعلام العالمية والعربية والمحلية له، بتواضعه الجم وذوقه الانسانى الرفيع، لم يكن يرد طلبا لأحد، صغيرا أو كبيرا فى أجرأ حوار معه بعد فوزه بنوبل.
شهرة نجيب محفوظ بعد نوبل لم تضف لشهرته وقيمته الأدبية كثيرا فى مصر والعالم العربى ولكنه بعدها أصبح حديث العالم كله مثله مثل ماركيز وآرثر ميللر وشكسبير وتولستوى وكافكا وهيمنجواى وغيرهم.
يتذكر نجيب محفوظ فى تلك الأيام ما جرى معه قبل نصف قرن، لم يكن يهتم به أحد من الكتاب أو الأدباء أو النقاد رغم أنه بدأ الكتابة مبكرا فى عام 39 ولكن طوال 15 عاما بعدها ظل متجاهلا من النقاد حتى قرب نهاية الخمسينيات.
فى مساء إحدى ليإلى شهر أكتوبر كنت فى طريقى إلى مقر مكتب صحيفة « الأنباء» الكويتية، رأيته بالمصادفة، كان جالسا وحيدا فى هدوء على مقهى الفندق الشهير المجاور لمكتب الصحيفة وأمامه فنجان قهوته، يرنو من خلف نظارته المارة فى الشارع الفسيح وإلى النيل ونسمات الشتاء التى تداعب صفحته، يحتسى فى صمت رشفات من فنجان قهوته.
الفندق لم يكن يبعد سوى خطوات عن منزله، كان يرتادها بين فترة وأخرى
بفرحة طفولية ودون تفكير سريع أو تردد، توجهت إليه مباشرة واقتحمت عليه جلسته، استأذنته فى الجلوس لدقائق ومصافحته وتهنئته فقط، فرحب بابتسامته المعهودة، حزنت لعدم وجود كاميرا تصوير معى لتسجيل تلك اللحظة.
دار حوار سريع جدا معه عبارة عن دردشة، سألته فى البداية لماذا تجلس هنا يا أستاذ بعيدا عن أصدقائك وتلاميذك، ابتسم قائلا» عاوز ارتاح شوية النهاردة»، باركت له على الجائزة ومعناها لديه، قال «الحمد لله دى جائزة لمصر وأدبائها وبإنجازها فى الأدب العالمي»، قلت له « العالم عرفك يا أستاذ من كتاباتك عن العمق المصرى والحارة المصرية»، رد باهتمام:» مهم أن تكتب عن عالمك الذى تعيش فيه بكل تفاصيله حتى يعرفك العالم، وماركيز فعل ذلك فأصبح عالميا»، قلت له: «لن أطيل عليك يا استاذنا لكن يشغلنى سؤال منذ فترة طويلة بعد سيل الدراسات الأدبية والنقدية عن أعمالك وخاصة صورة المرأة فى رواياتك، تفسيرات وتحليلات عن مقاربة المرآة فى رواياتك وهى كثيرة بصورة مصر».
أدهشنى بضحكته المعروفة القريبة من القهقة رغم علامات الإرهاق التى كانت تبدو عليه، قال: «يا بنى أنا أكتب فقط وفق تصورى ورؤيتى ولا أقارب شيء بشىء، أما الناقد فهو حر فى تحليله وتفسيره ولا اعترض عليه، فالأدب مثل اللوحة الفنية يراها كل من يشاهدها وفق تذوقه ورؤيته».
حتى الآن كلما مررت على المكان، أنظر بأسى وأتذكر الأماكن التى اعتاد أديبنا العالمى أن يجلس فيها، فى مقهى الفيشاوى بالحسين بحى الجمالية وفى مقهى ريش بوسط القاهرة وفى مقهى على بابا وكازينو قصر النيل وشهرزاد ثم منزل نجيب محفوظ أو شقته بالأحرى، كلها أماكن كان يمكن أن تتحول إلى مزارات سياحية وبأسعار خاصة لمن أراد الجلوس اليها مثلما يحدث فى بعض مقاهى باريس التى جلس فيها أدباء وشخصيات عالمية فتحولت إلى مزارات.
الآسى أصبح شعورا بالحزن والندم، أجريت بعد 6 شهور من حصول أديبنا العالمى على نوبل حوارا مع مفتى الجماعة الاسلامية عمر عبدالرحمن وأصدر من خلال الحوار الذى امتد على مساحة صفحتين فتوى قتل نجيب محفوظ الشهيرة.
كان فوز محفوظ بالجائزة العالمية قد أشعل نيران الحقد والغيظ والغضب فى صدور وقلوب تيار الاسلام السياسى المتطرف.
بعد 37 عاما أسأل نفسى الآن «هل كان ينبغى السعى وراء هذا الشيخ الضرير صاحب أشهر فتاوى التكفير فى مصر لإجراء أول وآخر حوار صحفى فى حياته ينشر له فى صحيفة عربية أو مصرية ..؟ فقد حدث ما تخوفت منه وما سوف يجرى عقب نشر الحوار.. قامت الدنيا ولم تقعد ولم يهنأ أديبنا العالمى بوقت كثير بفوزه وحصوله على جائزة نوبل للآداب.
السؤال كان مثار نقاش استمر طويلا مع عدد كبير من الأصدقاء. اختلفوا بالفعل وعارضونى فى مسألة الشعور بالندم لإجراء الحوار، فحسب القاعدة المهنية المعروفة يعتبر «سبق صحفى» وصيد ثمين قد لا يتكرر ولم يتكرر بعدها فقد سافر عمر عبدالرحمن إلى السعودية ومنها إلى باكستان ثم إلى السودان وعبرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى أرادت استخدامه كورقة سياسية للضغط على مصر بصفته معارضا سياسيا لنظام الحكم فيها وقتها.
لكنه تحول إلى قنبلة موقوتة فى واشنطن وتم اتهامه فى قضية نيويورك سنة 1993، واعتقلته السلطات الأمريكية وصدر ضده حكم بالسجن المؤبد وقضى العقوبة فى السجون الأمريكية حتى توفى يوم 18 فبراير عام 2017.
وفى الحقيقة كنت سأندم ندما شديدا على عدم اجراء الحوار رغم خطورته..! وهو الوصف الذى استخدمه الكاتب الكبير الراحل موسى صبرى فى عنوان عموده بالصفحة الأولى لصحيفة الأخبار: «حوار خطير جدا جدا جدا» تحركت على آثره أجهزة الأمن للقبض على عمر عبدالرحمن والتحقيق معه واعترافه بكل ما جاء فى الحوار الذى أجريته معه.
المفارقة أننى سألته عن آيات شيطانية لمؤلفها الكاتب الهندى البريطانى سلمان رشدى فجاءت إجابته صادمة « لو قتلنا نجيب محفوظ بسبب روايته أولاد حارتنا لارتدع سلمان رشدى».
«الشيخ الضرير» صاحب أشهر الفتاوى التكفيرية ضد السادات، وعدم جواز الصلاة على الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، حاز على ألقاب عدة منها، مفتى تنظيم الجهاد، والزعيم الروحى والمؤسس للجماعة الإسلامية.
الحقيقة أن الحوار كان شاملا لكل شىء ومواجهة صحفية، ربما لم يُجرها أحد من قبل مع الشيخ عمر عبدالرحمن وأفكاره أو من بعد، فقد تم إلقاء القبض عليه بعد 48 ساعة من نشر الحوار، ثم بدأت رحلة خروجه أو هروبه إلى السودان ثم الولايات المتحدة الأمريكية حتى توفى هناك.
واجهته بكل شىء وتقبل الأسئلة الصادمة له، عن تكفيره للمجتمع والحكومة وهو موظف يتقاضى راتبا من الأزهر، سألته عن الفن والغناء والسياسة.
المفارقة غير السعيدة أنه بعد 6 سنوات جاءت حادثة محاولة قتل نجيب محفوظ على يد شابين من المتطرفين والمهووسين بفكر عمر عبدالرحمن، فى أكتوبر96 بطعنه بسكين فى عنقه واعترفا أنهما حاولا قتل محفوظ لأنهما سمعا بفتوى الشيخ رغم أنهما لم يقرأ الرواية أو أية رواية لنجيب محفوظ.
وفيما بعد أُعدم الشابان المشتركان فى محاولة الاغتيال رغم تعليق الأديب العالمى بأنه غير حاقدٍ على من حاول قتله، وأنه يتمنى لو أنهما لم يُعدما.
وخلال إقامته الطويلة فى المستشفى، زاره الشيخ محمد الغزإلى الذى كان ممن طالبوا بمنع نشر أولاد حارتنا وعبدالمنعم أبو الفتوح، القيادى السابق فى حركة الإخوان.
اتصل بى كثير من الأصدقاء يذكروننى بالحوار الشهير فى «الأنباء» الكويتية قبل 9 سنوات، وداعبنى الصديق الصحفى الكبير سليمان الحكيم – رحمه الله – بأننى المتهم الأول فى محاولة القتل!
ورغم وفاة نجيب محفوظ فى 30 أغسطس 2006 ورحيل عمر عبدالرحمن فى فبراير 2017، فسوف تظل تلك الفتوى واحدة من أشهر فتاوى الشيخ الضرير لأنها لم تكن تتعلق بشخص وإنما بأفكار تيار الظلام والتكفير.


تعليقات