في صباح الخميس 31 أغسطس 2006، خرجت القاهرة لتودع واحدا من أبرز أبنائها الذين تركوا بصمة لا تمحى في تاريخ الأدب العربي، الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي رحل عن عالمنا في اليوم السابق عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد مسيرة أدبية امتدت لعقود، توجها بحصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1988.
لم تكن جنازة نجيب محفوظ مجرد مراسم لتشييع كاتب كبير، وإنما تحولت إلى مشهد يعكس المكانة التي احتلها صاحب “الثلاثية” في وجدان المصريين والعرب، بعدما استطاع طوال حياته أن يجعل من القاهرة وشوارعها وأحيائها وشخصياتها مادة أساسية لعالمه الروائي، حتى أصبحت أعماله جزءًا من ذاكرة المدينة وسكانها، وشيع جثمان نجيب محفوظ في جنازة عسكرية، بحضور عدد من كبار المسؤولين والشخصيات العامة والمثقفين والأدباء والإعلاميين، إلى جانب المواطنين الذين حرصوا على المشاركة في وداع الأديب الذي مثّل الأدب المصري والعربي أمام العالم.
وكان رحيل محفوظ بمثابة نهاية فصل مهم من تاريخ الرواية العربية؛ فقد ترك خلفه عشرات الأعمال التي تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة، من بينها “الثلاثية”، و”زقاق المدق”، و”اللص والكلاب”، و”ثرثرة فوق النيل”، و”الحرافيش”، وغيرها من الأعمال التي تناولت الإنسان المصري وتحولاته الاجتماعية والسياسية والفكرية.
من القاهرة إلى نوبل
ولد نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا في القاهرة عام 1911، ونشأ في بيئة مصرية انعكست بصورة واضحة على كتاباته، قبل أن يبدأ مشروعه الأدبي الذي جعله واحدًا من أهم روائيي القرن العشرين، وعلى مدار مسيرته، ظل محفوظ قريبًا من تفاصيل الحياة اليومية، فكتب عن الحارة والبيت والأسرة والمقهى والموظف والفتاة والشاب والطبقة الوسطى، وجعل من هذه التفاصيل البسيطة عالمًا أدبيًا واسعًا استطاع من خلاله طرح أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والسلطة والمصير.
وفي عام 1988، وصل اسمه إلى العالمية بعد حصوله على جائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول أديب عربي يحصل على الجائزة، وهو الإنجاز الذي منح الرواية العربية حضورًا عالميًا غير مسبوق.
جنازة تليق بصاحب نوبل
جاءت جنازة محفوظ لتؤكد حجم التقدير الذي حظي به داخل مصر وخارجها. فبعد إعلان وفاته، توافد محبوه وزملاؤه من الأدباء والمثقفين للمشاركة في مراسم تشييعه، فيما حضرت أعماله وشخصياته الروائية بقوة في أحاديث المشاركين في وداعه.
وكان محفوظ قد عاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن الأضواء إلى حد كبير، لكنه ظل حاضرًا في المشهد الثقافي من خلال كتاباته وشخصيته التي أصبحت جزءًا من تاريخ الأدب المصري الحديث، ورغم رحيله، لم تتوقف الحكاية التي بدأها محفوظ قبل أكثر من نصف قرن؛ إذ بقيت رواياته تُقرأ وتُناقش وتُترجم، واستمرت القاهرة التي كتب عنها في الظهور من جديد عبر صفحات أعماله، وكأن الأديب الذي رحل ظل محتفظًا بمقعده بين شوارعها وحواريها وشخصياتها.
رحيل الجسد وبقاء الحكاية
كان نجيب محفوظ واحدًا من القلائل الذين استطاعوا تحويل التفاصيل اليومية إلى أدب خالد، وأن يجعلوا من المكان المحلي بوابة إلى أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود، وفي 31 أغسطس 2006، ودّعت القاهرة نجيب محفوظ، لكن وداع الجنازة لم يكن نهاية حضوره؛ فبعد مرور سنوات على رحيله، ما زالت أعماله حاضرة في المكتبات والجامعات ودور السينما، وما زالت شخصياته الروائية تعيش في ذاكرة أجيال متعاقبة.
رحل صاحب “الثلاثية”، لكن الحارة التي كتب عنها لم تغلق أبوابها، وظلت شخوصه تتحرك بين صفحات كتبه، شاهدة على تجربة أديب استطاع أن يجعل من القاهرة عالمًا روائيًا، ومن الإنسان المصري بطلًا لحكاية امتدت من المحلية إلى العالمية.


تعليقات